عبد العزيز عتيق

97

علم البديع

ويرى السكاكي أن من الغلو أصنافا مقبولة ، منها ما أدخل عليه ما يقرّبه إلى الصحة نحو لفظة « يكاد » التي تفيد عدم التصريح بوقوع المحال ، نحو قوله تعالى : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ، فإن إضاءة الزيت كإضاءة المصباح من غير أن تمسه النار محال عقلا . ولكن إدخال « يكاد » هنا أفاد أن المحال لم يقع ولكن قرب من الوقوع مبالغة . ومن الغلو المقبول عنده أيضا ما تضمن نوعا حسنا من التخييل ، كقول المتنبي يمدح ابن عمار : أقبلت تبسم والجياد عوابس * يخببن بالحلق المضاعف والقنا عقدت سنابكها عليه عثيرا * لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا « 1 » فالمتنبي في البيت الثاني هنا ادّعى تراكم الغبار الكثيف المرتفع من سنابك الخيل فوق رؤوسها ، بحيث صار أيضا يمكن سيرها عليها . وهذا ممتنع عقلا وعادة ، لكنه تخيّل حسن . وقد اجتمع الأمران ؛ أي إدخال ما يقرب الغلو إلى الصحة وتضمن التخييل الحسن في قول القاضي الأرّجاني : يخيّل لي أن سمّر الشهب في الدجى * وشدّت بأهداب إليهن أجفاني فالأرجاني يصف الليل هنا بالطول ، فيقول : يخيل لي أن الشهب محكمة بالمسامير في الظلام لا تنتقل من مكانها ، وأن أجفان عينيّ قد شدت بأهدابها إلى الشهب لطول سهري في ذلك الليل . وهذا تخييل حسن ، ولفظ « يخيل » يزيده حسنا .

--> ( 1 ) يخببن : يسرن سير الخبب ، وهو ضرب من العدو والجري ، والحلق المضاعف : الدروع الكثيرة ، والقنا : الرماح ، والسنابك : جمع سنبك ، وهو طرف مقدم الحافر ، والعثير : الغبار ، والعنق بفتح العين والنون : ضرب من السير السريع .