عبد العزيز عتيق

30

علم البديع

البديع ، وراح يثبت أن الجمال فيهما لا يرجع إلى جمال الألفاظ من حيث هي ، وإنما يرجع إلى ترتيب المعاني في الذهن ترتيبا يؤثر في النفس ، ويضرب لذلك مثلا من أمثلة الجناس وهو قول أبي الفتح البستي : ناظراه فيما جنى ناظراه * أو دعاني أمت بما أو دعاني ويعلق عليه بقوله : « قد أعاد - الشاعر - عليك اللفظ ، كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ، ويوهمك كأنه لم يزدك ، وقد أحسن الزيادة ووفّاها ، فبهذه السريرة صار التجنيس ، وخصوصا المستوفى منه المتفق في الصورة ، من حلى الشعر ، ومذكورا في أقسام البديع » « 1 » . فجمال الجناس عنده في مثل بيت أبي فتح البستي يرجع إلى المفاجأة ، وأن الكلمة ترى كأنها لا تعطيك شيئا جديدا وهي في الحقيقة تعطي كثيرا ، وبذلك يؤثر الجناس التام بما فيه من خداع وخفاء لا يلبث أن ينكشف ، ومن ثم عد من حلى الشعر ، وذكر في أقسام البديع . وكل هذا يرجع إلى المعنى النفسي لا إلى اللفظ ، ويضرب مثالا للجناس الناقص قول أبي تمام : يمدون من أيد عواص عواصم * تصول بأسياف قواض قواضب ويعقب عبد القاهر بأن تأثير الجناس ينبعث من المعنى النفسي أيضا ، فإن السامع يتوهم قبل أن يرد عليه الحرف الأخير في كلمتي « عواصم ، وقواضب » أن الكلمتين السابقتين لهما ستعودان ثانية ، ومن هنا يأتي التأثير ، يقول : « تعود إليك الكلمة مؤكدة حتى إذا تمكن في نفسك تمامها ، ووعى سمعك آخرها ، انصرفت عن ظنك الأول ، وزلت عن الذي سبق من التخيل ، وفي ذلك ما ذكرت لك من طلوع الفائدة بعد أن

--> ( 1 ) أسرار البلاغة ص : 4 - 5 .