عبد العزيز عتيق

186

علم البديع

وينقل كلامه من معناه إلى معنى آخر ، ويقول له : إنك تطولت وأنعمت علي وأحكمت وقويت حبل ودادي . * * * ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . فالسؤال هنا عن حقيقة الأهلة : لم تبد صغيرة ثم تزداد حتى يتكامل نورها ثم تتضاءل حتى لا ترى ؟ . ولما كانت هذه القضية من قضايا علم الفلك وفهمها وقتئذ يحتاج إلى دراسة عويصة ، فإن القرآن قد عدل عن الإجابة عنها إلى بيان أن الأهلّة وسائل للتوقيت في المعاملات والعبادات . وفي هذه إشارة إلى أن ما كان ينبغي أن يسأل عنه هو فائدة الأهلّة لا حقيقتها ، إلى أن تتيسّر لهم الحقائق العلمية التي تعينهم على فهم هذه الظاهرة الكونية . ومنه كذلك قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ، قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . فالمسلمون قد سألوا الرسول ما ذا ننفق من أموالنا ، فصرفهم عن هذا ببيان المصرف ، لأن النفقة لا يعتد بها إن لم تقع موقعها . ومن أمثلته شعرا قول شاعر راثيا : ولما نعى الناعي سألناه خشية * وللعين خوف البين تسكب أمطار أجاب قضى ! قلنا قضى حاجة العلا * فقال مضى ! قلنا بكل فخار فأسلوب الحكيم في البيت الثاني هو في قوله : « قضى » ويريد بها « مات » ولكنهم حملوها على إنجاز الحاجات وقضائها ، وهذا ما لم يقصده . وكذلك في قوله : « مضى » أراد بها « مات » وأرادوا هم « ذهب بالفضل ولم يدع لأحد شيئا » .