عبد العزيز عتيق

154

علم البديع

ووجد ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا ، وصدهم عن سبيل اللّه متجدد على الأيام لم يمض وجوده ، وإنما هو مستمر يستأنف في كل حين . ومن هذا الضرب أيضا قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . فهنا عدل عن لفظ الماضي إلى المستقبل فقال : فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ولم يقل « فأصبحت » عطفا على « أنزل » وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان . فإنزال الماء مضى وجوده واخضرار الأرض باق لم يمض . وهذا كما تقول : « أنعم عليّ فلان فأروح وأغدو شاكرا له » ولو قلت : « فرحت وغدوت شاكرا له » لم يقع ذلك الموقع ، لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى . * * * وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل ، فهو عكس ما تقدم ذكره ، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر عن المستقبل الذي لم يوجد بعد ، كان ذلك أبلغ وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده ، لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد . وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها . والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل واستحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها ، والغرض بالإخبار بالماضي عن المستقبل هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد . فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ، فإنه إنما قال