عبد العزيز عتيق

149

علم البديع

والإعراض عنه كما لو كان عدوا لهم . * * * ومما ينخرط في هذا السلك الالتفات بالرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس ، كقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ . فالآية مثال للالتفات بالعدول عن الغيبة إلى خطاب النفس ، فإنه قال وَزَيَّنَّا بعد قوله ثُمَّ اسْتَوى وقوله فَقَضاهُنَّ - وَأَوْحى . والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا ، وأنها ليست حفظا ولا رجوما ، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس لأنه مهمة من مهمات الاعتقاد ، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه . * * * ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن مخاطبة النفس إلى مخاطبة الجماعة ، قوله تعالى : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم ، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة ، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح ، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه . وقد وضع قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي مكان قوله « وما لكم لا تعبدون الذي فطركم » بدليل قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . ولولا أنه قصد ذلك لقال « الذي فطرني وإليه أرجع » . * * *