عبد العزيز عتيق
209
علم البيان
وأبو علي الحسن بن رشيق القيرواني « 456 ه » عقد في كتابه « العمدة » فصلا خاصا بالإشارة أشاد في مستهله بفضلها وأثرها في الكلام قائلا : « والإشارة من غرائب الشعر وملحه ، وهي بلاغة عجيبة تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة ، وليس يأتي بها إلّا الشاعر المبرز والحاذق الماهر ، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة ، واختصار وتلويح يعرف مجملا ، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه » . ثمّ يستطرد إلى بيان أنواعها والتمثيل لها فيعد منها : الإيماء والتفخيم والتلويح والتمثيل والرمز والتعريض والكناية . وفي كلامه عن الكناية نراه متأثرا برأي المبرد السابق في أنّها تأتي على ثلاثة أوجه هي : كناية التعظيم والتفخيم ممثلة في الكنية ، وكناية الرغبة عن اللفظ الخسيس ، وكناية التغطية والتعمية . وعن هذا الوجه الأخير من الكناية يقول : إنّه هو التورية في أشعار العرب حيث يكنون عن الشجر بالناس كقول المسيّب بن علس : دعا شجر الأرض داعيهمو * لينصره السّدر والأثاب فكنى بالشجر عن الناس ، وهم يقولون في الكلام المنثور : جاء فلان بالشوك والشجر ، إذا جاء بجيش عظيم . كذلك يكنون عن المرأة بالشجرة والنخلة والسرحة والبيضة والناقة والمهرة والشاة والنعجة أو ما شاكل ذلك . ثمّ أورد على ذلك بعض أمثلة منها قول حميد بن ثور الهلالي عندما حظر عمر على الشعراء ذكر المرأة : تجرّم أهلوها لأن كنت مشعرا * جنونا بها يا طول هذا التجرّم ومالي من ذنب إليهم علمته * سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي