عبد العزيز عتيق
197
علم البيان
ومن خصائصها كذلك التشخيص والتجسيد في المعنويات ، وبث الحركة والحياة والنطق في الجماد ، وقد التفت الجرجاني إلى شيء من ذلك بقوله : « فإنّك لترى بها الجماد حيا ناطقا ، والأعجم فصيحا ، والأجسام الخرس مبينة ، والمعاني الخفية بادية جلية . . . وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها ، إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنّها قد جسمت حتى رأتها العيون ، وإن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلّا الظنون ، وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها » « 1 » . يقول اللّه تعالى في تصوير العذاب الذي أعدّه للكافرين به : وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ . تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ . « 2 » « فالشهيق » في الآية الكريمة قد استعير « للصوت الفظيع » وهما لفظتان و « الشهيق » لفظة واحدة ، فهو أوجز على ما فيه من زيادة البيان . و « تميز » استعير للفعل « تنشق من غير تباين » والاستعارة أبلغ ، لأنّ التميز في الشيء هو أن يكون كل نوع منه مباينا لغيره وصائرا على حدّته ، وهو
--> ( 1 ) أسرار البلاغة ص 33 . ( 2 ) الشهيق : أصله الصوت المزعج كصوت الحمار ، والمراد به هنا « الحسيس » وهو الصوت الخفي الناشئ عن الفوران ، وهذا الصوت يحدثه اللّه سبحانه في النار لشدة ازعاج الكافرين ، وتميز : أصله تتميز ، أي تتقطع وينفصل بعضها عن بعض ، من الغيظ : أي من غيظها منهم ، والكلام كله تمثيل لشدة غليانها انتظارا لهم ، فوج : المراد هنا جماعة من الكفرة ، والخزنة : جمع خازن ، وهم الملائكة الموكلون بجهنم ، وقد وصفهم اللّه في آية أخرى بأنّهم ملائكة غلاظ شداد لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .