عبد العزيز عتيق

140

علم البيان

ويوضح ابن الأثير كلامه هذا بما معناه أنّ إطلاق لفظ « الشمس » على الوجه المليح مجاز ، وإطلاق لفظ « البحر » على الرجل الجواد مجاز أيضا . ومن هذا يرى أنّ لفظ « الشمس » له دلالتان ، إحداهما حقيقية وهي هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء ، والأخرى مجازية وهي الوجه المليح ، وأنّ لفظ « البحر » له دلالتان أيضا ، إحداهما هذا الماء العظيم الملح وهي حقيقية ، والأخرى هذا الرجل الجواد وهي مجازية . ولا يمكن أن يقال إنّ هاتين الدلالتين سواء ، وإنّ الشمس حقيقية في الكواكب والوجه المليح ، وإنّ البحر حقيقية في الماء العظيم الملح والرجل الجواد . لأنّ ذلك لو قيل لكان اللفظ مشتركا بحيث إذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقا بغير قرينة تخصصه لم يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته ، على حين أنّ الأمر بخلاف ذلك ، لأننا إذا قلنا « شمس » أو « بحر » وأطلقنا القول لم يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد ، وإنّما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير . والمرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة التي هي وضع الأسماء على المسميات ، ولم يوجد فيها أنّ الوجه المليح يسمى شمسا ولا أنّ الرجل الجواد يسمى بحرا ، وإنما أهل الخطابة والشعر هم الذين توسعوا في الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إلى المجاز ، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع ، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية . هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئا لم يكن قبله ، فمن ذلك أنّه أوّل من عبّر عن الفرس بقوله : « قيد الأوابد » « 1 » ولم يسمع ذلك لأحد من

--> ( 1 ) وردت هذه العبارة في بيت من معلقة امرئ القيس هو :