أحمد مطلوب
71
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
وذكر ابن منقذ نوعا آخر من الاستخدام ومثّل له بقول الشاعر : اسم من ملّني ومن صدّ عني * وجفاني لغير ذنب وجرم والذي ضنّ بالوصال علينا * مثلما ضنّ بالهوى قلب نعم وهذا استخدام في الاعراب ، لأنّ « قلب » مرفوع بالابتداء وبفاعل « ضنّ » وهو أيضا استخدام في المعنى لأنّ معنى قلب من القلوب ومعنى العكس لأن الاسم معن . وعرّفه ابن شيث القرشي بقوله : « هو أن تكون الكلمة تقتضي معنيين فتستخدم فيهما جميعا » « 1 » ومثاله : « أنا على عهدك الذي تعلمه لم أحلّ من أمرك عقدا ، ولا مكانا آنس منك فيه فقدا » ، فقد استعمل « أحل » للمعنيين ، ومثاله : « أنت في قلبي مالي عنك ولا لغيرك قلب » ، ف « قلب » مستخدمة لقوله : « لي » ولقوله : « عنك » . وقال المصري : « هو أن يأتي المتكلم بلفظة لها معنيان ثم يأتي بلفظتين تتوسط تلك اللفظة بينهما ، ويستخدم كل لفظة منهما لمعنى من معنيي تلك اللفظة المتقدمة » « 2 » . وربما التبس هذا الفن بالتورية ولذلك قال : « والفرق بينهما أنّ التورية استعمال أحد المعنيين من اللفظة وإهمال الآخر ، والاستخدام استعمالهما معا » . ونقل الحلبي والنويري تعريف المصري « 3 » ، واختلف تعريف الاستخدام بعد ذلك وانقسم البلاغيون إلى مؤيد لابن مالك ومنتصر للقزويني ، فابن مالك يقول : « إنّ الاستخدام اطلاق لفظ مشترك بين معنيين ثم يأتي بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ، ومن الآخر المعنى الآخر ، ثم انّ اللفظين قد يكونان متأخرين عن اللفظ المشترك وقد يكونان متقدمين ، وقد يكون اللفظ المشترك متوسطا بينهما » « 4 » . ومثال هذه الطريقة قوله تعالى : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ « 5 » ، فان لفظة كِتابٌ يحتمل أن يراد بها الأجل المحتوم والكتاب المكتوب ، وقد توسطت بين لفظتي أَجَلٍ و يَمْحُوا فاستخدمت أحد مفهوميها وهو الأمد بقرينة ذكر الأجل ، واستخدمت المفهوم الآخر وهو الكتاب المكتوب بقرينة يَمْحُوا . وهذا ما ذكره المصري من قبل حينما ذكر هذه الآية شاهدا للاستخدام . والقزويني يقول : « هو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم بضميره معناه الآخر ، أو يراد بأحد ضميريه أحدهما وبالآخر الآخر » « 6 » . وسار على هذا المذهب معظم البلاغيين وأصحاب البديعيات « 7 » . ورجع ابن قيم الجوزية إلى تعريف ابن منقذ وأمثلته « 8 » ، وذكر الحموي طريقتي ابن مالك والقزويني ثم قال : « وعلى كل تقدير فالطريقتان راجعتان إلى مقصود واحد ، وهو استعمال المعنيين بضمير وغير ضمير » « 9 » . وذكر الآية التي استشهد بها ابن مالك ثم قال : « ومنه قوله من القصيدة النباتية : حويت ريقا نباتيا حلا فغدا * ينظّم الدرّ عقدا من ثناياك
--> ( 1 ) معالم الكتابة ص 82 . ( 2 ) تحرير ص 275 ، بديع القرآن ص 104 ، وينظر البرهان ج 3 ص 446 . ( 3 ) حسن التوسل ص 267 ، نهاية الإرب ج 7 ص 143 . ( 4 ) خزانة الأدب ص 52 ، أنوار ج 1 ص 308 . وقد سقط هذا التعريف والفن كله من المصباح المطبوع . ( 5 ) الرعد 38 - 39 . ( 6 ) الايضاح ص 354 ، التلخيص ص 360 . ( 7 ) عروس ج 4 ص 326 ، المطول ص 426 ، المختصر ج 4 ص 326 ، الأطول ج 2 ص 195 ، مواهب ج 4 ص 426 ، نفحات ص 79 . ( 8 ) الفوائد ص 216 . ( 9 ) خزانة ص 53 .