أحمد مطلوب

68

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

كما لو قيل في انسان واحد إنه أعمى العين بصيرها ، فلا . وكذلك في التضاد أن يقال في الفاتر « حار » عند البارد و « بارد » عند الحار ، فأما عند أحدهما فلا . وفي النفي والاثبات أن يقال : « زيد جالس » في وقته الحاضر الذي هو جالس ، و « غير جالس » في الوقت الآتي الذي يقوم فيه إذا قام ، فذلك جائز ، فاما في وقت واحد وحال واحدة « جالس » و « غير جالس » فلا . ولهذه العلة يجوز ما يأتي في الشعر على هذه السبيل مثل ما قال خفاف بن ندبة : إذا انتكث الحبل ألفيته * صبور الجنان رزينا خفيفا « 1 » فلو لم تكن ارادته أنه رزين من حيث ليس خفيفا ، وخفيف من حيث ليس رزينا ، لم يجز » « 2 » . وتحدث ابن سنان في باب المعاني عن الاستحالة التناقض وقال : « إنّ من الصحة تجنب الاستحالة والتناقض ، وذلك أن يجمع بين المتقابلين من جهة واحدة » « 3 » . وذكر بعض ما ذكره قدامة . وفرّق بين المستحيل والممتنع بقوله : « وقد فرق بين المستحيل والممتنع بأنّ المستحيل هو الذي لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم مثل كون الشيء أسود أبيض وطالعا نازلا ، فان هذا لا يمكن وجوده ولا تصوره في الوهم ، والممتنع هو الذي يمكن تصوّره في الوهم وإن كان لا يمكن وجوده مثل أن يتصور تركيب بعض أعضاء الحيوان من نوع آخر منه كما يتصور يد أسد في جسم انسان ، فانّ هذا وإن كان لا يمكن وجوده فانّ تصوره في الوهم ممكن . وقد يصح أن يقع الممتنع في النظم والنثر على وجه المبالغة ، ولا يجوز أن يقع المستحيل البتة » « 4 » . وقال البغدادي إنّ المستحيل « هو الشيء الذي لا يوجد ولا يمكن مع ذلك أن يتصوّر في الفكر مثل الصاعد النازل في حال واحدة ، فانّ هذه الحال لا يمكن أن تكون ولا تصوّر في الذهن » « 5 » . ثم قال عن الامتناع إنّه « هو الذي وان كان لا يوجد فيمكن أن يتخيل ، ومنزلته دون منزلة المستحيل في الشناعة مثل أن تركب أعضاء حيوان ما على جثة حيوان آخر فانّ ذلك جائز في التوهم ولكنه معدوم في الوجود » . وعرّف التناقض بمثل تعريفي قدامة وابن سنان ، وذكر جهات التقابل الأربع . ومما جاء من الاستحالة والتناقض على جهة التضاد قول أبي نواس يصف الخمر : كأنّ بقايا ما عفى من حبابها * تفاريق شيب في سواد عذار « 6 » فشبّه حباب الكأس بالشيب وذلك قول جائز لأنّ الحباب يشبه الشيب في البياض وحده لا في شيء آخر غيره ، ثم قال : تردّت به ثم انفرى عن أديمها * تفرّي ليل عن بياض نهار « 7 » فالحباب الذي جعله في هذا البيت الثاني كالليل هو الذي كان في البيت الأول أبيض كالشيب ، والخمر التي كانت في البيت الأول كسواد العذار هي التي صارت في البيت الثاني كبياض النهار ، وليس في هذا التناقض منصرف إلى جهة من جهات العذر ، لأنّ الأبيض والأسود طرفان متضادان ، ولا يجوز أن يوصف الشيء بالسواد والبياض في آن واحد . ومما جاء من التناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن بن عبد اللّه القس :

--> ( 1 ) انتكث الحبل ؛ انتقض . الجنان - بفتح الجيم - القلب . ( 2 ) نقد الشعر ص 232 . ( 3 ) سر الفصاحة ص 281 . ( 4 ) سر الفصاحة ص 287 . ( 5 ) قانون البلاغة ص 413 وقد تكلم عليه سيبويه في كتابه ج 1 ص 25 . ( 6 ) عفى ؛ أمحى . الحباب ؛ الفقاقيع التي تعلو الماء أو الخمر . العذار ؛ جانب اللحية . ( 7 ) تردت به ؛ اتخذته رداءا . أنفرى : انشق .