أحمد مطلوب

421

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

كأني لم أركب جوادا ولم أقل * لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال ولم أسبأ الزّقّ الرويّ للذّة * ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال « 1 » ومن ذلك قول المتنبي : وقفت وما في الموت شكّ * لواقف كأنّك في جفن الردى وهو نائم * تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضّاح وثغرك باسم وحكي أنّ سيف الدولة الحمداني قال للمتنبي : قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله : « كأني لم أركب . . . » فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس وكان ينبغي لك أن تقول : وقفت وما في الموت شكّ لواقف * ووجهك وضّاح وثغرك باسم تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة * كأنك في جفن الردى وهو نائم فقال المتنبي : « إن صحّ أنّ الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا ، ومولانا يعلم أنّ الثوب لا يعلمه البزّاز كما يعلمه الحائك لأنّ البزاز يعرف جملته والحائك يعرف تفاصيله وإنّما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء ، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول اتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤما ، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت : « ووجهك وضّاح وثغرك باسم » لأجمع بين الأضداد » « 2 » . فتناسب الأبيات والأشطار والارتباط بينها من أهم ما ينبغي للشاعر العناية به لئلا يحدث خلل أو تختل الصورة الشعرية إذا وقع تنافر بين العبارات . تناسب الأطراف : قال المدني : « تناسب الأطراف عبارة عن أن يبتدئ المتكلّم كلامه بمعنى ثم يختمه بما يناسب ذلك المعنى الذي ابتدأ به . وهذا النوع جعله الخطيب في التلخيص والإيضاح من مراعاة النظير « 3 » . قال : ومن مراعاة النظير ما يسمّيه بعضهم تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوّله في المعنى ، وقد علمت أنّ الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع نقل هذا الاسم وهو « تشابه الأطراف » إلى نوع التسبيغ الذي هو عبارة عن أن يعيد الشاعر لفظة القافية في أول البيت الذي يليها فتكون الأطراف متشابهة وهي تسمية مطابقة للمسمّى . وسمّى بعضهم هذا النوع « تشابه الأطراف المعنوي » وهو تطويل في العبارة فرأينا نحن تسميته بتناسب الأطراف أولى لمطابقته لمسمّاه » « 4 » . وهو نوعان : ظاهر وخفيّ ، فالأوّل كقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « 5 » فإن « اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالابصار ، والخبير يناسب كونه مدركا للأشياء لأنّ المدرك للشيء يكون خبيرا » . الثاني كقوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 6 » . فان قوله - سبحانه - : وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ يوهم أنّ الفاصلة « الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » * ولكن إذا أمعن وأنعم النظر علم أنّه يجب أن تكون على ما عليه التلاوة لأنّه لا يغفر لمن يستحق

--> ( 1 ) عيار الشعر ص 124 . ( 2 ) المثل السائر ج 2 ص 303 - 304 ، الجامع الكبير ص 217 . ( 3 ) الايضاح ص 344 ، التلخيص ص 354 . ( 4 ) أنوار الربيع ج 4 ص 195 . ( 5 ) الانعام 103 . ( 6 ) المائدة 118 .