أحمد مطلوب

387

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

قال التّنّوخي : « ومن البيان تعقيب الكلام بمصدر معظم بمن أضيف اليه توكيدا لما في ذلك الكلام من الحكم والمعاني وغير ذلك مما يعظم في بابه خيرا أو شرا » « 1 » . ومنه قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ « 2 » . لما كانت الجبال ترى جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب لسرعة حركتها وهي لا ترى كان ذلك أمرا عظيما تحار فيه العقول ، وكّد بقوله تعالى : صُنْعَ اللَّهِ ثم وصف نفسه بأنه المتقن لكل شيء . ومن ذلك قول الشاعر : يركب كلّ عاقر جمهور * مخافة وزعل المحبور والهول من تهوّل الهبور يجوز أن يكون « مخافة » وما عطف عليه منتصبا على المصدر أو مفعولا له ، وهو مصدر أيضا فوكّد به سوء فعله في كونه راكب العاقر وهو ما لم ينبت من الرمل مع أنّه جمهور وهو ما تراكم من الرمل أيضا ، وترك السهل خوفا وسرعة لكونه متنعما يعسر عليه تحمل الشقاء أو هولا وتهوّلا من المواضع المطمئنة للجبن ، وكل ذلك ركوب السهل خير منه فوكّد بتلك المصادر ضعف رأيه مع أنّ المصدر حيث وقع يكون مؤكّدا لفعله أو مبينا لنوعه أو لعدده . وذكر ابن رشيق في باب التقسيم أنّ منه ما يسمى جمع الأوصاف كقول امرئ القيس : له أيطلا ظبي وساقا نعامة * وإرخاء سرحان وتقريب تتفل ويسميه بعض الحذّاق من أهل الصناعة « التعقيب » وهو عندهم مستحسن ، أما التعقيب وهو مثل التقعير فمكروه في الكلام » « 3 » . التّعقيد : العقد : نقيض الحلّ ، عقده يعقده عقدا وتعقادا وعقّده ، وقد اثعقد وتعقد « 4 » . والتعقيد من الأساليب غير المستحسنة ، وقد قال بشر بن المعتمر : « وإياك والتوعر فانّ التوعّر يسلمك إلى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك » « 5 » . وذكر المبرد أنّ من أقبح الضرورة وأهجن الالفاظ وأبعد المعاني قول الفرزدق في مدح إبراهيم بن هشام : وما مثله في الناس إلا مملّكا * أبو أمه حيّ أبوه يقاربه « وكان يكون إذا وضع الكلام في موضعه أن يقول : وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح . فدلّ على أنّه خاله بهذا اللفظ البعيد . وهجنه بما أوقع فيه من التقديم والتأخير حتى كأنّ هذا الشعر لم يجتمع في صدر رجل واحد مع قوله حيث يقول : تصرّم مني ودّ بكر بن وائل * وما كاد مني ودّهم يتصرّم قوارص تأتيني ويحتقرونها * وقد يملأ القطر الإناء فيفعم وكأنه لم يقع ذلك الكلام لمن يقول : والشيب ينهض في السواد كأنّه * ليل يصيح بجانبيه نهار فهذا أوضح معنى وأعرب لفظ وأقرب مأخذ » « 6 » . وكان جعفر بن يحيى يطلب أن يكون الكلام بريا من التعقيد ، وقال العسكري : « التعقيد والاغلاق والتقعير سواء ، وهو استعمال الوحشي وشدة تعليق الكلام بعضه ببعض حتى يستبهم المعنى » « 7 » . وقد

--> ( 1 ) الأقصى القريب ص 80 . ( 2 ) النمل 88 . ( 3 ) العمدة ج 2 ص 25 . ( 4 ) اللسان ( عقد ) . ( 5 ) البيان ج 1 ص 136 . ( 6 ) الكامل ج 1 ص 28 . ( 7 ) كتاب الصناعتين ص 45 .