أحمد مطلوب

370

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

تعالى : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ . قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ « 1 » معناه : ربّنا يعلم إنّا لصادقون . ومنه قول هدبة ابن الخشرم : فإن تقتلوني في الحديد فاننّي * قتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد فان معناه : فان تقتلوني مقيدا وهو ضد المطلق ، فطابق بينهما بالمعنى : وقول المقنع الكندي : لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى * وإن قلّ مالي لا أكلّفهم رفدا فقوله : « إن تتابع » في قوة قوله : « ان كثر » والكثرة ضد القلة ، فهو طباق بالمعنى لا باللفظ « 2 » . والطباق الذي يأتي بألفاظ الحقيقة ثلاثة أقسام : الأول : طباق الايجاب ، وهو الجمع بين الشيء وضده ، كالأمثلة السابقة . الثاني : طباق السلب ، وهو الجمع بين فعلي مصدر واحد مثبت ومنفي أو أمر ونهي كقوله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 3 » ، وقول الشاعر : وننكر إن شئنا على الناس قولهم * ولا ينكرون القول حين نقول وقول البحتري : يقيّض لي من حيث لا أعلم النوى * ويشري اليّ الشّوق من حيث أعلم الثالث : طباق الترديد ، وهو أن يرد آخر الكلام المطابق على أوله فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو ردّ الاعجاز على الصدور . ومثاله قول الأعشى : لا يرقع الناس ما أو هوا وإن جهدوا * طول الحياة ولا يوهون ما رقعوا ومن الطباق نوع يسمّى الطّباق الخفيّ والملحق بالطباق ، وهو الجمع بين معنيين بتعلق أحدهما بما يقابل الآخر نوع تعلق مثل السببية واللزوم كقوله تعالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ « 4 » ، فإنّ الرحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة لكنها مسببة عن اللين الذي هو ضد الشدة . ومنه قول التهامي : والهون في ظلّ الهوينى كامن * وجلالة الأخطار في الاخطار فان جلالة الأخطار وان لم تكن مقابلة للهون لكنها لازمة للعز المقابل للهون « 5 » . ولا يكفي أن يؤتى بالتضاد أو المطابقة بعيدة عن أي هدف ، مجردة عن أي تأثير ، وإنما ينبغي أن تأتي مرشحة بنوع من البديع لكي تكتسب جمالا . قال الحموي : « والذي أقوله إنّ المطابقة التي يأتي بها الناظم مجردة ليس تحتها كبير أمر ، ونهاية ذلك أن يطابق الضد بالضد وهو شيء سهل ، اللهم إلا أن تترشح بنوع من أنواع البديع وتشاركه في البهجة والرونق ، كقوله تعالى : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ « 6 » ، ففي العطف بقوله تعالى : وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ دلالة على أنّ من قدر على الافعال العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده . وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الرب سبحانه وتعالى . فانظر إلى عظم كلام الخالق هنا فقد اجتمع فيه المطابقة الحقيقية والعكس الذي لا يدرك لو جازته وبلاغته ومبالغة التكميل التي لا تليق بغير قدرته . ومثل ذلك قول امرئ القيس :

--> ( 1 ) يس 15 - 16 . ( 2 ) أنوار الربيع ج 2 ص 33 . ( 3 ) الروم 6 - 7 . ( 4 ) الفتح 29 . ( 5 ) تحرير التحبير ص 114 ، بديع القرآن ص 32 ، الايضاح ص 334 ، التلخيص ص 347 ، خزانة الأدب ص 71 ، معترك ج 1 ص 414 ، شرح عقود الجمان ص 107 ، الأطول ج 2 ص 183 . ( 6 ) آل عمران 27 .