أحمد مطلوب
37
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
والدليل ، وأحج خصمي أي أغلبه بالحجة « 1 » . والاحتجاج النظري لون من ألوان الكلام ، وسماه بهذا الاسم جماعة منهم أبو حيان الأندلسي وابن قيّم الجوزية وابن النقيب « 2 » ، وسماه الزركشي « إلجام الخصم بالحجة » « 3 » ، ولكن البلاغيين يسمونه « المذهب الكلامي » . وحقيقة هذا النوع احتجاج المتكلم على خصمه بحجة تقطع عناده وتوجب له الاعتراف بما ادعاه المتكلم وابطال ما أورده الخصم . وسمي المذهب الكلامي لأنّه « يسلك فيه مذهب أهل الكلام في استدلالهم على إبطال حجج خصومهم . والمراد بأهل الكلام علماء أصول الدين » « 4 » . والمذهب الكلامي هو الفن الخامس من بديع ابن المعتز ، قال : « وهو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي ، وهذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئا ، وهو ينسب إلى التكلف ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا » « 5 » ولم يحدد هذا الفن ، ولعله يريد به اصطناع أساليب الفلاسفة والمتكلمين في الجدل والاستدلال ، ولذلك نفاه عن القرآن الكريم . ولم نعثر في كتب الجاحظ المعروفة على هذا المصطلح ، ولكنه يسخر أحيانا من الذين يتكلفون أداء الكلام تشبها بالمتكلمين « 6 » . والمذهب الكلامي عند المتأخرين هو ايراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام ، وذلك أن يكون بعد تسليم المقدمات مقدمة مستلزمة للمطلوب ، وهذا ما نجده في كتاب اللّه وكلام العرب الذي استشهد به البلاغيون . وقد ذكره العسكري وأشار إلى أن ابن المعتز نسبه إلى التكلف « 7 » ، وتحدث في أول كتاب الصناعتين عن وضوح الدلالة وقرع الحجة وهو مما يدخل في هذا الباب . قال : « ومن وضوح الدلالة وقرع الحجة قول اللّه سبحانه : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ، قالَ : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ؟ قُلْ : يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ « 8 » . فهذه دلالة واضحة على أنّ اللّه تعالى قادر على إعادة الخلق مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها ؛ لأنّ الإعادة ليست بأصعب في العقول من الابتداء ، ثم قال تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ « 9 » ، فزادها شرحا وقوة ؛ لأنّ من يخرج النار من أجزاء الماء وهما ضدان ليس بمنكر عليه أن يعيد ما أفناه . ثم قال تعالى : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ « 10 » فقوّاها أيضا وزاد في شرحها وبلغ بها غاية الايضاح والتوكيد لأنّ إعادة الخلق ليست بأصعب في العقول من خلق السماوات والأرض ابتداء » « 11 » . وهذا هو المذهب الكلامي عند المتأخرين ، أما ما ذكره في فصل المذهب الكلامي فهو متابعة لابن المعتز في معنى هذا الفن وأمثلته « 12 » . وتحدث عنه ابن رشيق في باب التكرار ونقل كلام ابن المعتز وأمثلته ، وأقرّ بذلك النقل فقال : « وقد نقلت هذا الباب نقلا من كتاب عبد اللّه بن المعتز إلّا ما لاخفاء به عن أحد من أهل التمييز ، واضطرني إلى ذلك قلة الشواهد فيه إلا ما ناسب قول أبي نواس : سخنت من شدة البرودة حتى * صرت عندي كأنك النار
--> ( 1 ) اللسان ( حجج ) . ( 2 ) البحر المحيط ج 3 ص 89 ، 305 ، ج 5 ص 350 ، الفوائد ص 136 ، شرح عقود الجمان 123 ، حلية اللب 124 . ( 3 ) البرهان في علوم القرآن ج 3 ص 468 . ( 4 ) جوهر الكنز ص 302 . ( 5 ) البديع ص 53 . ( 6 ) الحيوان ج 5 ص 10 وما بعدها . ( 7 ) كتاب الصناعتين ص 410 . ( 8 ) يس 78 - 79 . ( 9 ) يس 80 . ( 10 ) يس 81 . ( 11 ) كتاب الصناعتين ص 17 - 18 . ( 12 ) كتاب الصناعتين ص 410 .