أحمد مطلوب

305

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

« أن ترد آخر الكلام المطابق على أوله » « 1 » . ثم قال الحموي : « فإن لم يكن الكلام مطابقا فهو من ردّ الأعجاز على الصدور ومنه قول الأعشى : لا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدوا * طول الحياة ولا يوهون ما رقعوا التّرشيح : الرشح : ندى العرق على الجسد ، والترشيح التربية والتهيئة للشيء ، ورشّح للأمر : ربّي له وأهّل ، ورشّح الغيث النبات : رباه ، ورشّحت الأرض البهمى : ربّتها وبلغت بها « 2 » . قال المصري : « هو أن يؤتى بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن حتى يؤتى بلفظة تؤهلها لذلك » « 3 » . ومنه قوله تعالى : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ « 4 » فإن لفظة رَبِّكَ رشحت لفظة رَبِّهِ لأن تكون تورية إذ يحتمل أن يراد بها الإله تعالى ، وأن يراد بها الملك . ولو وقع الاقتصار على قوله : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ دون قوله : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ لم تدلّ لفظة رَبِّهِ إلا على الاله فحسب لكن لما تقدمت لفظة « رَبِّكَ » وهي لا تحتمل إلا الملك صلحت لفظة رَبِّهِ للمعنيين . والترشيح يكون للتورية وللاستعارة وللمطابقة وغيرها ، وقد فرّق المصري بين الترشيح والاستعارة والتورية من ثلاثة أوجه : الأول : أنّ من التورية ما لا يحتاج إلى ترشيح ، وهي التورية المحضة . الثاني : أنّ الترشيح لا يخص التورية دون بقية الأبواب بل يعم الاستعارة والطباق وغيرهما ، ففي قول المتنبي : وخفوق قلب لو رأيت لهيبه * يا جنّتي لظننت فيه جهنّما رشحت لفظة « يا جنتي » لفظة « جهنم » للمطابقة ، ولو قال مكانها « يا منيتي » لم يكن في البيت طباق . الثالث : أنّ لفظة الترشيح في كلام المورّى غير لفظة التورية ، فإن التورية في قول علي - عليه السّلام - : « وهذا كان أبوه ينسج الشمال باليمين » في لفظة « الشمال » والترشيح في لفظة « اليمين » . وذكر الحموي والسيوطي والمدني ما ذكره المصري « 5 » لأنّه من أوائل الذين حددوا هذا الفن ، ولذلك استندوا إلى ما ذكره . ومثال الترشيح للتورية قول التهامي : وإذا رجوت المستحيل فإنّما * تبني الرجاء على شفير هار فذكر « الشفير » يرشح « الرجاء » للتورية برجاء البئر وهو ناحيتها ولولا ذكره ما كان فيه تورية ولكان من رجوت بمعنى ضد اليأس فقط لقوله أولا : « وإذا رجوت المستحيل » . ومثال الترشيح للطباق بيت المتنبي : « وخفوق قلب . . . » . ومثال الترشيح للاستخدام قول أبي العلاء في صفة الدرع : تلك ماذيّة وما لذباب ال * صّيف والسيف عندها من نصيب فان ذكر « السيف » رشح « الذباب » لاستخدامه بمعنى طرف السيف ، ولولاه لا نحصر في معنى الطائر المعروف . ومثال الترشيح للاستعارة قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ

--> ( 1 ) خزانة ص 71 . ( 2 ) اللسان ( رشح ) . ( 3 ) تحرير ص 271 ، بديع القرآن ص 103 . ( 4 ) يوسف 42 . ( 5 ) خزانة الأدب ص 372 ، شرح عقود الجمان ص 116 ، أنوار الربيع ج 6 ص 172 .