أحمد مطلوب
261
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
وسمّى ابن قيم الجوزية التجريد المحض « خطاب الغير » وقال : « الأول خطاب الغير والمراد به المتكلم وهو أولى باسم التجريد » وسمّى غير المحض « خطاب المتكلم لنفسه » « 1 » . وقال الزركشي : « هو أن تعتقد أنّ في الشيء من نفسه معنى آخر كأنه مباين له فتخرج ذلك إلى ألفاظه بما اعتقدت ذلك » « 2 » . ونقل الحموي « 3 » تعريف القزويني ولم يفصّل القول فيه وإنما اكتفى بمثال واحد : « مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة » فجردت من الرجل نسمة متصفة بالبركة وعطفتها عليه كأنها غيره وهي هو . وبيت واحد هو : أعانق غصن البان من لين قدّها * وأجني جنيّ الورد من وجناتها فإنه جرّد من قدّها غصنا ومن وجنتيها وردا . وذكر السيوطي في « معترك الاقران » مثال الحموي النثري وبعض الآيات بعد أن عرّفه تعريفا لا يخرج على ما قاله السابقون « 4 » . ولكنه أعاد الحديث عنه في « شرح عقود الجمان » وقسّمه إلى قسمين : الأول : أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة . الثاني : أن تجرد نفسك فتخاطبها كأنّها غيرك « 5 » . وقال المدني بعد أن ذكر معنى التجريد في اللغة : « وفي الاصطلاح أن ينتزع من أمر متصف بصفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكمالها فيه حتى كأنه بلغ من الاتصاف بها مبلغا يصحّ أن ينتزع منه أمر آخر موصوف بتلك الصفة » « 6 » . وأوضح أقسامه وهي : الأول : أن يكون ب « من » التجريدية الداخلة على المنتزع منه . مثل : « لي من فلان صديق حميم » أي قد بلغ من الصداقة مبلغا صحّ معه أن يستخلص منه صديق آخر مثله فيها . ومنه قول الشاعر : وبي ظبية أدماء ناعمة الصّبا * تحار الظباء الغيد من لفتاتها أعانق غصن البان من لين قدّها * وأجني جنيّ الورد من وجناتها وقول أبي العلاء : ماجت نمير فهاجت منك ذا لبد * والليث أفتك أفعالا من النّمر الثاني : أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه . مثل : « لئن سألت فلانا لتسألن به البحر » بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا في السماحة . ومنه قول الشاعر : دعوت كليبا دعوة فكأنّما * دعوت بها ابن الطّود أو هو أسرع جرّد من كليب شيئا يسمى ابن الطود وهو الصدى ، والحجر إذا تدهده ، يريد به سرعة استجابته . الثالث : أن يكون بدخول باء المعية والمصاحبة في المنتزع كقوله : وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى * بمستلئم مثل الفنيق المرحّل الرابع : أن يكون بدخول « في » على المنتزع منه كقوله تعالى : لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ « 7 » أي : في جهنم وهي دار الخلد ، لكنه انتزع منها دارا أخرى وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدة .
--> ( 1 ) الفوائد ص 167 . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن ج 3 ص 448 . ( 3 ) خزانة الأدب ص 436 . ( 4 ) معترك ج 1 ص 396 ، وينظر الاتقان ج 2 ص 90 ، حلية اللب ص 139 . ( 5 ) شرح عقود الجمان ص 121 وينظر الروض المريع ص 96 ، نفحات ص 318 ، التبيان في البيان ص 235 ، شرح الكافية ص 207 . ( 6 ) أنوار الربيع ج 2 ص 153 . ( 7 ) فصلت 28 .