أحمد مطلوب
25
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
الخليل بن أحمد في قوله تعالى : فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ « 1 » انّه أريد فحاسوا ، فقامت الجيم مقام الحاء . وحكي عن أبي رياش في قول امرئ القيس : وإن تك قد ساءتك مني خليقة * فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل معناه « تنسلل » فأخرج اللام الثانية ياء لكسرة اللام الأولى . ومثله قول الآخر : وإنّي لاستنعى وما بي نعسة * لعلّ خيالا منك يلقى خياليا أراد : استنعس ، فأخرج السين ياءا « 2 » . وليس هذا من فنون البديع بل هو من الدراسات اللغوية ، ولذلك بحثه ابن فارس في كتابه « الصاحبي » وتحدث عنه اللغويون في مباحثهم ، ولكن الباحثين في علوم القرآن كالزركشي والسيوطي عدوه من البديع وبحثوه مع التفويف وتأكيد المدح بما يشبه الذم والتقسيم والتدبيج . إبراز الكلام في صورة المستحيل : قد يبرز الكلام في صورة المستحيل وذلك على طريق المبالغة ليدل على بقية جمله ، كقوله تعالى : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ « 3 » وغالى بعض الشعراء في وصف النحول فقال : ولو أنّ ما بي من جوى وصبابة * على جمل لم يبق في النار خالد وهذا الفن من صور المبالغة المتناهية ، ولكنّ الزركشي تحدث عنه في فنون البديع « 4 » . الإبهام : الابهام بالباء الموحدة وهو الكلام الموهم لأنّ له أكثر من وجه ، وابهام الامر أن يشتبه فلا يعرف وجهه وقد أبهمه ، واستبهم عليهم الأمر : لم يدروا كيف يأتون له ، واستبهم عليه الأمر أي : استغلق « 5 » . والابهام عند البلاغيين « إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين » « 6 » ، وسماه السكاكي التوجيه ، وسماه السيوطي كذلك . ولعله يريد السكاكي حينما قال عن التوجيه : « وعرّفه قوم بان يحتمل الكلام وجهين متباينين من المعنى احتمالا مطلقا من غير تقييد بمدح أو ذم أو غيره » . وذكر تعريفا آخر ينطبق على الابهام فقال : « وقوم بأن يحتمل معنيين أحدهما مدح والآخر ذم ، وهذا رأي لا نرضاه . والذي عليه حذّاق الصنعة وأصحاب البديعيات وأولهم الصفي الحلي أنّ هذا التفسير للنوع المسمى بالابهام - بالباء الموحدة - كما اخترعه ابن أبي الإصبع وسماه وعرّفه بذلك » « 7 » . وقد فرّق المصري بين الابهام والاشتراك فقال : « الاشتراك لا يقع إلّا في لفظة مفردة لها مفهومان لا يعلم أيهما أراد المتكلم ، والابهام لا يكون إلّا في الجمل المؤتلفة المفيدة ويختص بالفنون كالمدح والهجاء والعتاب والاعتذار والفخر والرثاء والنسب وغير ذلك ، ولا كذلك الاشتراك » « 8 » ، أي : أنّ الابهام عنده « أن يقول المتكلم كلاما يحتمل معنيين متضادين لا يتميز أحدهما على الآخر ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد ذلك بل يقصد ابهام الأمر فيهما قصدا » « 9 » .
--> ( 1 ) الاسراء 5 . ( 2 ) الصاحبي ص 203 ، البرهان في علوم القرآن ج 3 ص 388 ، الاتقان ج 2 ص 89 ، معترك الأقران ج 1 ص 392 ، الروض المريع ص 145 . ( 3 ) الأعراف 40 . ( 4 ) البرهان ج 3 ص 47 . ( 5 ) اللسان ( بهم ) . ( 6 ) مفتاح العلوم ص 202 ، وينظر الكشاف ج 1 ص 400 . ( 7 ) شرح عقود الجمان ص 127 . ( 8 ) بديع القرآن ص 306 ، تحرير التحبير ص 596 . ( 9 ) السابقان .