أحمد مطلوب

243

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

على علوّ الدرجة . وهذا ما سماه السكاكي والقزويني وشراح تلخيصه « الاستتباع » « 1 » . وقال ابن مالك عن تأكيد المدح بما يشبه الذم : « أن تنفي عن الممدوح وصفا معيبا ثم تعقبه بالاستثناء فتوهم أنّه ستثبت له ما يذم به فتأتي بما من شأنه أن يذم به وفيه المبالغة بالمدح » « 2 » . وقال ابن الأثير الحلبي : « حقيقة هذا النوع أن يكون الانسان آخذا في مدح فيستثني في بعضه فيعتقد السامع أنّ ما بعد الاستثناء يكون نوع ذم أو عيب في الممدوح استثنى منه المادح في مدحه ، فإذا تكملة الاستثناء توجب تأكيدا للمدح الأول قطعا له » « 3 » . وقسّمه الآخرون كالحلبي والنويري والقزويني وشراح التلخيص « 4 » إلى ثلاثة أضرب : الأول : أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها ، وهو أفضلها عند البلاغيين . ومنه قول النابغة الذبياني : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب أي : إن كان فلول السيف من قراع الكتائب من قبيل العيب فأثبت شيئا من العيب على تقدير أنّ فلول السيف منه وذلك محال ، فهو في المعنى تعليق بالمحال . والتأكيد فيه من وجهين : أحدهما : أنّه كدعوى الشيء ببينة . وثانيهما : أنّ الأصل في الاستثناء أن يكون متصلا فإذا نطق المتكلم ب « إلا » أو نحوها توهّم السامع قبل أن ينطق بما بعدها أنّ ما يأتي بعدها مخرج مما قبلها فيكون شيء من صفة الذم ثابتا وهذا ذم . فإذا أتت بعدها صفة مدح تأكد المدح لكونه مدحا على مدح وإن كان فيه نوع من الخلابة . الثاني : أن يثبت لشيء صفة مدح ويعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى كقول النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش » . ومنه قول الجعدي : فتى كملت أخلاقه غير أنّه * جواد فما يبقي من المال باقيا الثالث : أن يأتي الاستثناء فيه مفرغا كقوله تعالى : وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا « 5 » . أي : وما تعيب منّا إلّا أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الايمان بآيات اللّه . ونحوه قوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا « 6 » فانّ الاستفهام فيه للانكار . ويجري الاستدراك مجرى الاستثناء كما في قول بديع الزمان الهمذاني : هو البدر إلا أنّه البحر زاخر * سوى أنّه الضرغام لكنّه الوبل وهذا الأسلوب كثير في كلام العرب غير أنّه في غاية العزة في القرآن الكريم ، ومنه الآيتان السابقتان . قال المصري : « ولم أجد منه إلا آية واحدة تحيّلت على تأويل تدخل به في هذا الباب ، وهي قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ « 7 » فانّ

--> ( 1 ) مفتاح العلوم ص 202 ، الايضاح ص 374 ، التلخيص ص 383 ، شروح التلخيص ج 4 ص 396 ، المطول ص 442 ، الأطول ج 2 ص 217 . ( 2 ) المصباح ص 109 ، وينظر المنصف ص 71 . ( 3 ) جوهر الكنز ص 206 . ( 4 ) حسن التوسل ص 229 ، نهاية الإرب ج 7 ص 121 ، الايضاح ص 372 ، التخليص ص 380 ، شروح التلخيص ج 4 ص 386 ، المطول ص 439 ، الأطول ج 2 ص 213 ، شرح عقود الجمان ص 125 ، حلية اللب 145 ، نفحات الأزهار ص 61 ، 68 . ( 5 ) الأعراف 126 . ( 6 ) المائدة 59 . ( 7 ) المائدة 59 .