أحمد مطلوب
214
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
ويجوز عكس البيت المضمن بأن يجعل عجزه صدرا أو صدره عجزا وقد تحذف صدور قصيدة بكمالها وينظم لها المودع صدورا لغرض اختاره وبالعكس » « 1 » . وقال السيوطي : « والمصراع فما دونه يسمى رفوا وايداعا ؛ لأنّه رفا بشعر الغير وأودعه إياه » « 2 » . وقال المدني : « هو أن يودع الشاعر شعره بيتا فأكثر أو مصراعا فما دونه من شعر غيره بعد أن يوطئ له في شعره توطئة تناسبه وتلائمه ويسمى التضمين والرفو أيضا » « 3 » . ثم قال : « والايداع عند البديعيين من المحاسن » . ومثال الايداع في النثر قول علي - رضي اللّه عنه - في جواب كتابه لمعاوية : « ثم زعمت أنّي لكل الخلفاء حسدت ، وعلى كلهم بغيت ، فان يكون ذلك كذلك فليست الجناية عليك فيكون العذر إليك : « وتلك شكاة ظاهر عنك عارها » . وهذا عجز بيت تمثل به أيضا عبد اللّه بن الزبير وقد قال أهل الشام له : « يا ابن ذات النطاقين » على سبيل المعيرة لها بذلك ، نظر إلى أنها كانت خادمة لا مخدومة على طريقة الجاهلية في مدح النساء وذمهم فأنشد : وعيّرها الواشون أنّي أحبّها * وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ومن شواهد الايداع الشعرية قول أبي نواس : تغنّى وما دارت له الكأس ثالثا * تعزّى بصبر بعد فاطمة القلب وقد يجتمع الايداع والتضمين في شعر واحد كقول علي بن الجهم في « فضل » الشاعرة و « بنان » المعنّي : كلّما غنّى بنان * اسمعي أو خبرينا أنشدت فضل ألا حيي * ت عنا يا مدينا عارضت معنى بمعنى * والندامى غافلينا فوقع التضمين في البيت الأول والايداع في البيت الثاني . وقال المصري : « وكنت نظرت إلى بيت لأبي الطيب وهو : تذكرت ما بين العذيب وبارق * مجرّ عوالينا ومجرى السوابق « 4 » فأودعت كل قسم منه بيتا من قصيدة مطلعها : أعر مقلتي إن كنت غير مرافقي * دموعا لتبكي فقد حيّ مفارق فقد نضبت يوم الوداع مدامعي * وشابت لتشتيت الفراق مفارقي والبيتان منها : إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها * تذكّرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من قدّها ومدامعي * مجرّ عوالينا ومجرى السوابق وإن أخذ نصف بيت لغيره فابتدأ به وثنى عليه تتمة البيت لا غير فذلك تمليط ، وان بنى عليه كل ما يخطر له من أبيات لتمام غرضه فذلك توطيد » « 5 » . ويبدو من الأمثلة المتقدمة أنّ الايداع هو التضمين وأنّ المصري لم يكن دقيقا حينما أنكر على البلاغيين خلطهم بين الايداع والتضمين ، وقد أشار المدني إلى مثل ذلك فقال : « وانكار كون التضمين بمعنى الايداع بعد أن اصطلح على ذلك كثير من أرباب هذا الفن ، بل هو
--> ( 1 ) خزانة الأدب ص 377 ، نفحات ص 85 . ( 2 ) شرح عقود الجمان ص 170 . ( 3 ) أنوار الربيع ج 6 ص 73 ، شرح الكافية ص 266 . ( 4 ) العذيب وبارق ؛ موضعان بظاهر الكوفة . العوالي ؛ الرماح . السوابق ؛ الخيل . ( 5 ) تحرير التحبير ص 382 .