أحمد مطلوب

212

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

القليلة على الذي كتبته لك في باب الايجاز وترك الفضول ، فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ « 1 » ، وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا . وقوله - عز وجل - حين ذكر فاكهة أهل الجنة فقال : لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ « 2 » جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني » « 3 » وقال فيما بقي من رسالته في البلاغة والايجاز : « درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الايجاز وحمد الاختصار وذم الاكثار والتطويل والتكرار وكل ما فضل عن المقدار » « 4 » . ورأى ابن الأثير أنّ التنبه لهذا النوع من الايجاز عسر ، لأنّه يحتاج إلى فضل تأمل « 5 » ، ومن ذلك قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 6 » . وتظهر روعة هذه الآية الكريمة حينما تقارن بقول العرب : « القتل أنفى للقتل » ، ويتضح ذلك في وجوه : الأول : أنّ عدة حروف « فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » عشرة في التلفظ ، وعدد حروفه أربعة عشر . الثاني : ما فيه من التصريح بالمطلوب الذي هو الحياة بالنص عليها فيكون أزجر عن القتل بغير حق لكونه أدعى إلى الاقتصاص . الثالث : ما يفيده تنكير « حياة » من التعظيم أو النوعية . الرابع : اطراده بخلاف قولهم ، فانّ القتل الذي ينفي القتل هو ما كان على وجه القصاص لا غيره . الخامس : سلامته من التكرار الذي هو من عيوب الكلام بخلاف قولهم . السادس : استغناؤه عن تقدير محذوف بخلاف قولهم فان تقديره : القتل أنفى من تركه . السابع : أنّ القصاص ضد الحياة فالجمع بينهما طباق . الثامن : جعل القصاص كالمنبع والمعدن للحياة بادخل « في » عليه « 7 » . ومن الايجاز بالقصر قوله تعالى : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ « 8 » . ومنه قول الشريف الرضي : ما لو إلى شعب الرحال وأسندوا * أيدي الطّعان إلى قولب تخفق فإنه لما أراد أن يصفهم بالشجاعة في أثناء وصفهم بالغرام عبّر عن ذلك بقوله : « أيدي الطعان » وهذا معنى الايجاز بالقصر عند البلاغيين غير أنّ ابن الأثير « 9 » عدّه فرعا من الايجاز الذي لا يحذف منه شيء لأنّه قسّم الايجاز إلى قسمين : 1 - الايجاز بالحذف ، وهو ما يحذف منه المفرد والجملة . 2 - ما لا يحذف منه شيء وهو ضربان : الأول : ما ساوى لفظه معناه ويسمى التقدير . الثاني : ما زاد معناه على لفظه ويسمى الايجاز بالقصر . وقسّم الايجاز بالقصر إلى نوعين : الأول : ما دلّ لفظه على محتملات متعددة ويمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدتها ، ومنه قوله تعالى : وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي

--> ( 1 ) الواقعة 19 . ( 2 ) الواقعة 33 . ( 3 ) الحيوان ج 3 ص 86 . ( 4 ) رسالة في البلاغة والايجاز ص 23 وتنظر رسائل الجاحظ ج 4 ص 151 . ( 5 ) المثل السائر ج 2 ص 78 . ( 6 ) البقرة 179 . ( 7 ) كتاب الصناعتين ص 175 ، نهاية الايجاز ص 145 ، المثل السائر ج 2 ص 125 ، بديع القرآن ص 192 ، الايضاح ص 182 . ( 8 ) المؤمنون 91 . ( 9 ) المثل ج 2 ص 114 ، وينظر الطراز ج 2 ص 119 .