أحمد مطلوب
168
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
يحتاج إلى إيضاح لأنّ الأمثلة التي ذكرها لا تحدد ذلك تحديدا دقيقا . ومن باب الأقسام قول النابغة : نبئت أنّ أبا قابوس أوعدني * ولا قرار على زأر من الأسد ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه * إذن فلا رفعت سوطي اليّ يدي وقول أبي فراس : لا ضربت لي بالعراق خيمة * ولا أنثنت أناملي على قلم إن لم أثرها من ديار فارس * شعث النواصي فوقها سود اللمم حتى ترى لي بالعراق وقعة * يشرب فيها الماء ممزوجا بدم وقول علي بن مقلد أبي شجاع سديد الملك : فإن لم تكن عندي كسمعي وناظري * فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني فانّك أحلى في جفوني من الكرى * وأطيب طعما في فؤادي من الأمن الاكتفاء : كفى يكفي كفاية إذا قام بالأمر ، وكفى الرجل واكتفى : اضطلع ، وكفاك الشيء يكفيك واكتفيت به . وكفاه الأمر : إذا قام فيه مقامه « 1 » . تحدث ابن رشيق في باب الايجاز وقال : إن الايجاز عند الرماني على ضربين مطابق لفظه لمعناه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه مثل : « سل أهل القرية » . ومنه ما فيه حذف للاستغناء عنه في ذلك الموضع كقوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 2 » وقال : إنّ الضرب الأول مما ذكره الرماني يسمى المساواة ، والضرب والثاني مما ذكره يسمونه « الاكتفاء » وهو « داخل في باب المجاز وفي الشعر القديم والمحدث منه كثير يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي على الذاهب » « 3 » . وقد سمّى الرماني هذا النوع الايجاز بالحذف ، « 4 » وهو المصطلح الذي شاع في كتب البلاغة حينما قسموا الايجاز إلى : إيجاز حذف وايجاز قصر . وعقد الحموي بابا للاكتفاء وقال : هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف فلم يفتقر إلى ذكر المحذوف لدلالة باقي لفظ البيت عليه ويكتفى بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى . وهو نوع ظريف ينقسم إلى قسمين : قسم يكون بجميع الكلمة وقسم يكون ببعضها . والاكتفاء بالبعض أصعب مسلكا لكنه أحلى موقعا ولم أره في كتب البديع ولا في شعر المتقدمين . فشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة كقول ابن مطروح : لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي * ما دمت في قيد الحياة ولا إذا فمن المعلوم أنّ باقي الكلام : « ولا إذا مت » لما تقدم من قوله « الحياة » ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبا من عيوب الشعر مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان » « 5 » . والاكتفاء ببعض الكلمة عزيز الوقوع جدا ولم يوجد في كتب البديع ومن ذلك قول ابن سناء الملك : أهوى الغزالة والغزال وإنّما * نهنهت نفسي عفّة وتدينا ولقد كففت عنان عيني جاهدا * حتى إذا أعييت أطلقت العنا أي : العنان « 6 » .
--> ( 1 ) اللسان ( كفي ) . ( 2 ) يوسف 82 . ( 3 ) العمدة ج 1 ص 251 . ( 4 ) النكت في إعجاز القرآن ص 70 . ( 5 ) خزانة الأدب ص 126 . ( 6 ) خزانة ص 129 ، نفحات ص 81 .