ابن هشام الأنصاري

425

مغني اللبيب عن كتب الأعاريب

وجواب الأول أنه قد يكون قدّر الكلام مستأنفا ، والنحويون يقدرون في مثل ذلك مبتدأ كما قالوا في « وتشرب اللّبن » فيمن رفع : إن التقدير : وأنت تشرب اللبن ، وذلك إما لقصدهم إيضاح الاستئناف ، أو لأنه لا يستأنف إلا على هذا التقدير ، وإلا لزم العطف الذي هو مقتضى الظاهر . وجواب الثاني أن الفاء نزّلت الجملتين منزلة الجملة الواحدة ، ولهذا اكتفى فيهما بضمير واحد ، وحينئذ فالخبر مجموعهما كما في جملتى الشرط والجزاء الواقعتين خبرا ، والمحل لذلك المجموع ، وأما كل منهما فجزء الخبر ؛ فلا محل له ، فافهمه فإنه بديع . ويجب على هذا أن يدعى أن الفاء في ذلك وفي نظائره من نحو « زيد يطير الذّباب فيغضب » قد أخلصت لمعنى السببية ، وأخرجت عن العطف ، كما أن الفاء كذلك في جواب الشرط ، وفي نحو « أحسن إليك فلان فأحسن إليه » ويكون ذكر أبى البقاء للعطف تجوزا أو سهوا . ومما يلحق بهذا البحث أنه إذا قيل : « قال زيد عبد اللّه منطلق وعمرو مقيم » فليست الجملة الأولى في محل نصب والثانية تابعة لها ، بل الجملتان معا في موضع نصب ، ولا محل لواحدة منهما ؛ لأن المقول مجموعهما ، وكل منهما جزء للمقول ، كما أن جزأى الجملة الواحدة لا محل لواحد منهما باعتبار القول ، فتأمله . الثالث : المبدلة كقوله تعالى : ( ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ) فإنّ وما عملت فيه بدل من ما وصلتها ، وجاز إسناد يقال إلى الجملة كما جاز في ( وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها ) هذا كله إن كان المعنى ما يقول اللّه لك إلا ما قد قيل ، فأما إن كان المعنى ما يقول لك كفار قومك من الكلمات المؤذية إلا مثل ما قد قال الكفار الماضون لأنبيائهم ، وهو الوجه الذي بدأ به الزمخشري ، فالجملة استئناف .