ابن هشام الأنصاري
71
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب
فلا يصحّ الاستثناء منه ، فلو قلت « قام رجال إلا زيدا » لم يصح اتفاقا ، وزعم المبرد أن « إلّا » في هذه الآية للاستثناء ، وأن ما بعدها بدل ، محتجا بأن « لو » تدل على الامتناع ، وامتناع الشئ انتفاؤه ، وزعم أن التفريغ بعدها جائز ، وأن نحو « لو كان معنا إلّا زيد » أجود كلام ، ويردّه أنهم لا يقولون « لو جاءني ديّار أكرمته » ولا « لو جاءني من أحد أكرمته » ولو كانت بمنزلة الثاني لجاز ذلك كما يجوز « ما فيها ديّار » و « ما جاءني من أحد » ولما لم يجز ذلك دلّ على أن الصواب قول سيبويه إنّ إلّا وما بعدها صفة . قال الشلوبين وابن الضائع : ولا يصح المعنى حتى تكون إلا بمعنى غير ، والتي يراد بها البدل والعوض ، قالا : وهذا هو المعنى في المثال الذي ذكره سيبويه توطئة للمسألة ، وهو « لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا » أي : رجل مكان زيد أو عوضا من زيد ، انتهى . قلت : وليس كما قالا ، بل الوصف في المثال وفي الآية مختلف ، فهو في المثال مخصّص مثله في قولك « جاء رجل موصوف بأنه غير زيد » وفي الآية مؤكّد مثله في قولك « متعدد موصوف بأنه غير الواحد » وهكذا الحكم أبدا : إن طابق ما بعد إلّا موصوفها فالوصف مخصّص له ، وإن خالفه بإفراد أو غيره فالوصف مؤكد ، ولم أر من أفصح عن هذا ، لكن النحويين قالوا : إذا قيل « له عندي عشرة إلا درهما » فقد أقر له بتسعة ، فإن قال « إلّا درهم » فقد أقر له بعشرة ، وسرّه أن المعنى حينئذ عشرة موصوفة بأنها غير درهم ، وكلّ عشرة فهي موصوفة بذلك ، فالصفة هنا مؤكدة صالحة للاسقاط مثلها في ( نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ) « 1 » وتتخرج الآية على ذلك ، إذ المعنى حينئذ لو كان فيهما آلهة لفسدتا ، أي أن الفساد يترتب على تقدير تعدّد الآلهة ، وهذا هو المعنى المراد
--> ( 1 ) في نسخة « مثلها في ( نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) » وكلتاهما صحيح .