أبو البركات بن الأنباري

15

أسرار العربية

الأدب . وصفه الشّيخ موفّق الدّين البغداديّ ( - 629 ه ) قائلا : « لم أر في العبّاد والمنقطعين أقوى منه في طريقه ، ولا أصدق منه في أسلوبه ، جدّ محض لا يعتريه تصنّع ، ولا يعرف السّرور ، ولا أحوال العالم . . . » « 1 » . تديّنه وورعه كان أبو البركات الأنباريّ متديّنا ورعا ، تفقّه في المدرسة النّظاميّة على مذهب الشّافعيّ - كما أسلفنا - ثم حدّث فيها . وكان إماما ثقة صدوقا ، وفقيها مناظرا غزير العلم ، وعفيفا لا يقبل عطايا الخلفاء والأمراء ، وكان يرضى بالكفاف من العيش ، ويلبس الخشن من الثّياب . وكان يعيش حياة الزّاهدين معتمدا على أجرة دار وحانوت ؛ مقدار أجرتهما نصف دينار في الشّهر . وذكر بعض من ترجم لأبي البركات أنّ المستضيء « 2 » أرسل إليه خمسمائة دينار ، فردّها ؛ فقالوا له : اجعلها لولدك ؛ فقال : « إن كنت خلقته فأنا أرزقه » . وكان رحمه اللّه - تعالى - يلبس في بيته ثوبا خلقا ، وكان له ثوب وعمامة من قطن يلبسهما يوم الجمعة . وقيل : إنّه انقطع في آخر عمره في بيته مشتغلا بالعلم والعبادة ، وترك الدّنيا ، ومجالسة أهلها ، ولم يكن يخرج إلّا لصلاة الجمعة « 3 » . آثاره صنّف أبو البركات الأنباريّ كثيرا من الكتب والكتيّبات والرّسائل في المجالات اللّغويّة ، والنّحويّة ، والفقهيّة ، والأصوليّة ، والكلاميّة ، والتّاريخيّة ، وغيرها . وذكر بعضهم له ديوان شعر ، والأرجح أن يكون نظم الأبيات أو المقطوعات على غرار العلماء والأدباء الذين ينظمون بعض القصائد أو المقطوعات في مناسبات مختلفة .

--> ( 1 ) أسرار العربيّة ، لابن الأنباريّ ؛ تحق محمّد بهجة البيطار ( دمشق : مطبوعات المجمع العلمي العربي ، 1957 م ) ، ص 12 . ( 2 ) المستضيء : أبو محمّد ، الحسن بن يوسف المستنجد ، ابن المقتفي كان خليفة محمود السّيرة ، توفّي سنة 575 ه . ( 3 ) راجع المصادر المذكورة في ترجمته ، والأعلام للزّركلي ( الطّبعة الثّانية ) ؛ مج 4 ، ص 104 .