أحمد مصطفى المراغي

37

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع )

فصاحة وأكملها بلاغة ، ومع ذلك وجم العرب ، وخرست شقاشقهم مع طول التحدي وشد النكير عليهم ، وحقت له الكلمة العليا . ثم يليه في الرتبة كلام رسوله عليه السّلام ، فقد أوتي من جوامع الكلم ما حارت في أمره جهابذة الفصاحة وأساطين البلاغة ، ثم كلام البلعاء من العرب جاهليين وإسلاميين . شواهد من فصيح الكلام تشرح أسرار الفصاحة وتبين مراتب البلاغة القرآن الكريم هو الينبوع الذي لا يغيض ماؤه والشجرة التي لا ينقطع ثمرها والجديد الذي لا تبلى جدته ، فقد ضرب الأمثال ، وتفجرت منه ضروب الحكمة وقص علينا من أخبار الماضين وسير الغابرين ما فيه العبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وبسط ذلك برائع الأساليب ، وبديع التراكيب ، انظر إلى ما جاء فيه عند ذكر الحساب والصراط والميزان ، تجد اللفظ الجزل ، والقول الفصل ، نحو : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ . وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ " 1 " . كما تجد السهل المهلهل خطابا لنبيه عليه السّلام نحو : وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى " 2 " إلى آخرها . وقد اغترفت السنّة النبوية من ذلك البحر وقطفت من تلك الرياض فأوتيت من موجز الحكم وجامع الكلم ما لا يزال نجعة الرائد وكعبة القاصد ، فمن جزلها قوله عليه السّلام : " يا بن آدم تؤتى كل يوم برزقك وأنت تحزن وينقص كل يوم من عمرك وأنت تفرح ، أنت فيما يكفيك ، وتطلب ما يطغيك ، لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع " .

--> ( 1 ) سورة الزمر . ( 2 ) سورة الضحى .