عبد الواحد بن علي ( أبو الطيب اللغوي )
60
مراتب النحويين
إلى أهل الكوفة فعرّفهم الأشعار التي قد أدخلها في أشعار الناس ، فقالوا له : أنت كنت عندنا في ذلك الوقت أوثق منك الساعة ، فبقي ذلك في دواوينهم إلى اليوم . وممن أخذ عنه واختصّ به أبو نواس ، وقد أخذ عن أبي عبيدة أيضا ، وله في خلف مراث « 1 » . * * * ونعود إلى ذكر الأصمعيّ . أخبرنا جعفر بن محمد قال : أخبرنا عليّ بن سهل ، قال : أخبرنا أبو عثمان الأشناندانيّ « 2 » قال : أخبرنا التوّزيّ قال : خرجت إلى بغداد ، فحضرت حلقة الفرّاء ، فرأيته يحكي عن الأعراب ويحتشد « 3 » بشواهد ؛ ما كان أصحابنا يحفلون ببعضها ، فلما أنس بي قال لي : ما فعل أبو زيد ؟ قلت : ملازم لبيته ومسجده ، وقد أسنّ ، فقال : ذاك أعلم الناس باللّغة وأحفظهم لها . ما فعل أبو عبيدة ؟ قلت : ملازم لبيته ومسجده ، على سوء خلقه . فقال : أما إنه أكمل القوم وأعلمهم بأيام العرب ومذاهبها . ما فعل الأصمعيّ ؟ قلت : ملازم لبيته ومسجده . قال : ذاك أعلمهم بالشعر ، وأتقنهم للّغة ، وأحضرهم حفظا . ما فعل الأخفش ؟ يعني سعيد بن مسعدة - قلت : معافى ، تركته عازما على الخروج إلى الرّيّ . قال : أما إنه إن كان خرج فقد خرج معه النّحو كلّه والعلم بأصوله وفروعه . ولم ير الناس أحضر جوابا ، وأتقن لما يحفظ من الأصمعيّ ، ولا أصدق لهجة منه ، وكان شديد التألّه « 4 » ؛ كان لا يفسّر شيئا من القرآن ولا شيئا من اللغة له نظير أو اشتقاق في القرآن وكذلك الحديث تحرّجا ، وكان لا يفسّر شعرا فيه هجاء ، ولم يرفع « 5 » من الحديث إلا أحاديث يسيرة ، وكان صدوقا في كل شيء ، من أهل السنّة . وولد سنة ثلاث وعشرين ومائة ، وعمّر نيّفا وتسعين سنة . وقال عبد الرحمن : مات عمّي في صفر سنة ست عشرة ومائتين ، وله إحدى وتسعون سنة .
--> ( 1 ) ذكر السيوطي أن خلفا توفي في حد ثمانين ومائة ؛ وانظر مراثي أبي نواس في ديوانه 132 - 135 . ( 2 ) هو أبو عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني ؛ كان نحويا لغويا من أئمة اللغة ؛ أخذ عنه ابن دريد ، وتوفي سنة 288 . ( معجم الأدباء 11 / 230 ) . ( 3 ) ابن نوبخت : « هو عندي - يحتج » . ( 4 ) التأله : التنسك . ( 5 ) يرفع ، من رفع المحدث الحديث ، إذا نسبه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .