عبد الواحد بن علي ( أبو الطيب اللغوي )
47
مراتب النحويين
حفص الصيرفيّ قال : حدّثنا أبو عاصم « 1 » قال : دخلنا على الخليل بن أحمد قبل وفاته بأيام فقال : واللّه ما فعلت قطّ فعلا أخاف على نفسي منه - وكان لي فضل فكر - صرفته إلى جهة ووددت أني كنت صرفته إلى غيرها ، وما علمت أني كذبت متعمّدا قط ، وأرجو أن يغفر اللّه لي التأوّل . قال أبو الطيّب اللّغويّ : وأبدع الخليل بدائع لم يسبق إليها ، فمن ذلك تأليفه كلام العرب على الحروف في الكتاب المسمّى بكتاب « العين » فإنه هو الذي رتّب أبوابه ، وتوفّي من قبل أن يحشوه . أخبرنا محمد بن يحيى قال : سمعت أحمد بن يحيى ثعلبا يقول : إنما وقع الغلط في « كتاب العين » لأن الخليل رسمه ولم يحشه ، ولو كان حشاه ما بقّى فيه شيئا ، لأن الخليل رجل لم ير مثله . قال : وقد حشا الكتاب أيضا قوم علماء ، إلا أنهم لم يؤخذ منهم رواية ، وإنّما وجد بنقل الورّاقين ، فاختلّ الكتاب لهذه الجهة . أخبرنا محمد بن عبد الواحد الزاهد قال : حدّثني فتىّ قدم علينا من خراسان - وكان يقرأ عليّ كتاب « العين » - قال : أخبرني أبي عن إسحاق بن راهويه قال : كان الليث « 2 » صاحب الخليل بن أحمد رجلا صالحا ، وكان الخليل عمل من كتاب « العين » باب العين وحده ، فأحبّ الليث أن تنفق سوق الخليل ، فصنّف باقي الكتاب ، وسمّى نفسه الخليل . وقال لي مرة أخرى : فسمى لسانه « الخليل » من حبّه للخليل بن أحمد ، فهو إذا قال في الكتاب : « قال الخليل بن أحمد » فهو الخليل ، وإذا قال : « وقال الخليل » ، مطلقا فهو يحكي عن نفسه ، فكلّ ما كان في الكتاب من خلل فإنه منه لا من الخليل بن أحمد . وممّا أبدع فيه الخليل اختراعه العروض التي حظرت « 3 » على أوزان العرب ، وألحقت المفحمين بالمطبوعين . وبلغنا عن الخليل أنه تعلّق بأستار الكعبة ، وقال : اللهمّ ارزقني علما لم
--> ( 1 ) هو أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني البصري ؛ من شيوخ المحدثين وحفاظهم : توفي سنة 212 . ( تذكرة الحفاظ 1 / 334 ) . ( 2 ) هو الليث بن نصر بن سيار الخراساني . قال ابن المعتز : « كان من أكتب الناس في زمانه . بارعا في الأدب ، بصيرا بالشعر والغريب والنحو ؛ وكان كاتبا للبرامكة » . ( بغية الوعاة 2 / 27 ) . ( 3 ) حظرت ، أي قصرت ، والعروض : ميزان الشعر وهي مؤنثة .