عبد الواحد بن علي ( أبو الطيب اللغوي )
16
مراتب النحويين
الجمحي محمد بن سلّام مؤلف كتاب « طبقات الشعراء » ، وأبو عبيد في طبقة من أخذ عنه . . إلى غير هذا مما لا يفيدك ذكره علما . فلما اجتمع شكواك ما تشكّيته « 1 » إلى ما أرى الناس يتهافتون فيه خبط عشواء ، وصيد ظلماء ، ورأيتك إذا أجريت منه شيئا انتقرته « 2 » ، وأسرعت إلى تعليقه وافترصته ؛ أشفقت من لبس يدخل عليك فيه ، أو سهو يحملك على باطل تحكيه ؛ وأعيذ إخواني باللّه مما لا يسرّني في الأعداء ، ولا أفرح به في البعداء ، وذوي الشنآن والبغضاء . فرسمت لك في هذا الكتاب ما تقبح الغفلة عنه ، ولا يسع العقلاء جهله ، وجمعت ما خشيت من تفرّقه عليك ، وخفت أن يصعب إلقاؤه إليك . وأرجو ألا أقصّر عما يقنعك ، ولا أتعدى إلى تطويل لا ينفعك ، بإذن اللّه . * * * [ و ] « 3 » اعلم - علمت الخير وعملت به - أن أكثر « 4 » آفات الناس الرؤساء الجهال ، والصدور الضلّال ، وهذه فتنة الناس على قديم الأيام وغابر الأزمان ، فكيف بعصرنا هذا ، وقد وصلنا إلى كدر الكدر ، وانتهينا إلى عكر العكر ! وأخذ هذا العلم عمّن لا يعلم ولا يفقه ، ولا يحس ولا ينقه « 5 » ، يفهّم الناس ما لا يفهم ، ويعلّمهم عند نفسه وهو لا يعلم ، يتقلّد كلّ علم ويدّعيه ، ويركب كلّ إفك ويحكيه ، يجهل ويرى نفسه عالما ، ويعيب من كان من العيب سالما . يتعاطى كلّ شيء * وهو لا يحسن شيّا فهو لا يزداد رشدا * إنّما يزداد غيّا ثم لا يرضى بهذا حتى يعتقد أنه أعلم الناس ، ولا يمنعه ذلك حتى يظنّ أن كل من أخذ هذا العلم عنه لو حشروا لاحتاجوا إلى التعلم منه ، فهو بلاء على المتعلمين ووبال على المتأدبين ، إن روى كذب ، وإن سئل تذبذب ، وإن نوظر صخب ، وإن خولف شغب ، وإن قرّر عليه الكلام سبّ . يصيب وما يدري ، ويخطي وما درى * وكيف يكون النّوك إلا كذلكا ! « 6 »
--> ( 1 ) تشكى : اشتكى . ( 2 ) حاشية الأصل : « خ - انتهزته » . ( 3 ) تكملة من المزهر فيما نقله عن أبي الطيب . ( 4 ) خ : « أكبر » . ( 5 ) ينقه : يفهم . ( 6 ) من أبيات لأبي الأسود الدؤلي ؛ وكان قد وجه رسولا إلى الحصين بن أبي الحر العنبري وإلى نعيم بن مسعود النهشلي - وكانا يليان بعض أعمال الخراج لزياد - وكتب معه إليهما ، وأراد -