ابن هشام الأنصاري

56

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب

وفي الآية شاهد ثان على إعطاء صفة ما لا يعقل حكم صفة من يعقل ، إذا ما نسب إلى العقلاء ، ألا ترى أن « طائعا » قد جمع بالياء والنون لمّا نسب لموصوفه القول ؟ وشاهد ثالث على أن النصب في نحو « جاء زيد ركضا » على الحال ، وتأويل ركضا براكضا ، لا على أنه مصدر لفعل محذوف : أي يركض ركضا ، ولا على أنه مصدر للفعل المذكور ، خلافا لزاعمي ذلك ؛ ووجه الدليل أن « طائعين » حال ، وهو في مقابلة طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فيدل على أن المراد طائعين أو مكرهين . ثم قلت : وهو خبر ، وطلب ، وإنشاء . [ ينقسم الكلام إلى خبر وطلب وإنشاء ] وأقول : كما انقسمت الكلمة إلى ثلاثة أنواع : اسم وفعل وحرف ، كذلك انقسم الكلام إلى ثلاثة أنواع : خبر ، وطلب ، وإنشاء . وضابط ذلك أنه إمّا أن يحتمل التّصديق والتكذيب ، أو لا ؛ فإن احتملهما فهو الخبر ، نحو « قام زيد » و « ما قام زيد » ، وإن لم يحتملهما فإمّا أن يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه ، أو يقترنا ؛ فإن تأخّر عنه فهو الطّلب ، نحو « اضرب » و « لا تضرب » و « هل جاءك زيد ؟ » وإن اقترنا فهو الإنشاء ، كقولك لعبدك : « أنت حرّ » وقولك لمن أوجب لك النكاح : « قبلت هذا النّكاح » « 1 » .

--> - الحقيقة فهما اثنتان فتعبر عنهما حينئذ بضمير المثنى ، وهو ما سلكه القرآن الكريم أولا ، وكان هذا في هذا الموضع أولى لأن طبيعة الأفراد كلها واحدة فناسب جمعها في جنس واحد ، وأيضا لئلا يتبادر إلى بعض العقول أن المراد أفراد جنس واحد من الجنسين لو قيل « قلن » بنون النسوة أو « قالوا » بواو الجماعة ، فلما استقر هذا الحكم للجنسين عبر بعد ذلك عن أفرادهما بضمير الجمع ، ففي الأول مراعاة اللفظ ، وفي الثاني مراعاة المعنى ، والسؤال الثاني : كيف عبر عن السماء والأرض بما يختص بالعقلاء وهو جمع المذكر السالم في قوله سبحانه ( طائعين ) وقد علمنا أن ذلك غير ما جرى عليه استعمال القرآن نفسه ؟ وقد تكفل المؤلف بالجواب على هذا . ( 1 ) يختلف العلماء في تقسيم الكلام ، فيذهب بعضهم إلى أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام : خبر ، وطلب ، وإنشاء ، وبيان ذلك على ما أشار إليه المؤلف أن الكلام إن كان في ذاته يصح أن يقال عنه إنه صدق أو كذب فهو الخبر ، وإن كان لا يصح أن يقال فيه ذلك فإن كان يدل بالوضع على أن المتكلم به طالب لمضمونه من المخاطب فإنه يسمى طلبا ، وذلك يشمل ثلاثة أنواع ، وهي الأمر ، والنهي ، والاستفهام ، لأن المتكلم بالأمر نحو اكتب ولتكتب يطلب من مخاطبه طلبا جازما أن يحدث الكتابة ، مثلا ، ولأن المتكلم بالنهي نحو لا تلعب طالب من -