ابن هشام الأنصاري
21
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
عندكم بهرجه ، وأنتم خير من علم أن الأمم لا تنهض إلا بأن تصل حديثها النافع بقديمها الصالح . حضرات السادة . . إن للأمة العربية لتراثا من العلم والمعرفة في جميع ما كان معروفا للعالم من ألوان العلم والمعرفة ، وقد ساير آباؤنا بهذا التراث أحقاب الزمن ، وكان لهم في كل عصر ما يعدّ من ذخائر المواريث ، وقد مضت علينا فترة من الزمن لم نحاول فيها أن نجدد ما درس من رسومهم ، بل لقد كان كثير منا ينال من هؤلاء الآباء ويرميهم بشر ما يرمى به إنسان ، وليس هذا من سمة أهل العلم ، وإنما واجب أهل العلم أن يتقبلوا من كل أحد ما رأوه حقّا ، وأن يبينوا منه ما رأوه خطأ ، فما من أحد من الناس إلا وهو بصدد أن يؤخذ من كلامه ويترك ، وإني لأشعر أن الأكثرية من المتعلمين - متعلمي هذا الجيل - أخذت في طريق البحث الصحيح ، فعلى القوّامين على التعليم أن ييسروا لهم السبل ، ويمهدوا أمامهم الطريق مخافة أن تزلّ أقدام بعد ثبوتها . وأنتم إن شاء اللّه فاعلون . . . » . وفي حديثه عن التأليف وتحقيق كتب التراث ، والفارق بينهما ، يضع يدك على حقيقة ، نحسب الكثيرين بمنأى عن إدراكها الإدراك الصحيح : « ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أنبهك إلى حقيقة قد تغفلها أو تتشكك فيها إذا عرضت لك ، أحب أن تعلم أن الجهد الذي يبذله من يحقق كتابا من كتب أسلافنا لا يقل عن الجهد الذي يبذله مؤلف كتاب حديث ، بل أنا أجاهر بأن جهد الأول فوق جهد الثاني ، وفرق بين من يعمد إلى المعارف فيختار منها ما يشاء ، ثم يعبر عما اختار بالأسلوب الذي يرضاه ، وبين آخر لا يسعه إلّا إثبات ما بين يديه بالأسلوب الذي اختاره صاحبه منذ مئات السنين ، وهو بين عبارات شوهها التحريف وغيّر الكثير منها تعاقب أيدي الكتّاب والصفافين ، وأكثرهم ممن لا يتصل بالعلم من قريب أو بعيد » « 1 » . ثم يطلعك على رؤيته لواحدة من قضايا العصر الساخنة :
--> ( 1 ) من مقدمة كتاب « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » السابق .