ابن هشام الأنصاري
192
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
بعضهم جوّز في هذا المفعول أن يرفع وصفه فيقول : « ضارب زيد عمرا الجاهل » لأنه نعت المرفوع في المعنى . ومثّلت لنيابته عن الفاعل بقوله تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ [ البقرة ، 210 ، وسورة هود ، الآية 44 ] وأصله قضى اللّه الأمر ، فحذف الفاعل للعلم به ، ورفع المفعول به ، وغيّر الفعل بضم أوّله وكسر ما قبل آخره ، فانقلبت الألف ياء . فإن لم يكن في الكلام مفعول به أقيم غيره : من مصدر ، أو ظرف زمان ، أو مكان ، أو مجرور . فالمصدر كقوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ [ الحاقة ، 13 ] وقوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [ البقرة ، 178 ] وكون « نفخة » مصدرا واضح ، وأما « شيء » فلأنه كناية عن المصدر ، وهو العفو ، والتقدير - واللّه أعلم - فأيّ شخص من القاتل عفي له عفو ما من جهة أخيه ، والأخ هنا محتمل لوجهين : أحدهما : أن يكون المراد به المقتول ف « من » للسببية ، أي بسببه ، وإنما جعل أخا تعطيفا عليه وتنفيرا عن قتله ، لأن الخلق كلهم مشتركون في أنهم عبيد اللّه ؛ فهم كالإخوة في ذلك ، ولأنهم أولاد أب واحد وأم واحدة ؛ والثاني : أن المراد به وليّ الدّم ، وسمّي أخا ترغيبا له في العفو ، و « من » على هذا لابتداء الغاية ، وهذا الوجه أحسن ، لوجهين : أحدهما : أن كون « من » لابتداء الغاية أشهر من كونها للسببية ، والثاني : أن الضمير في قوله تعالى : وَأَداءٌ إِلَيْهِ راجع إلى مذكور في هذا الوجه دون الأول . وظرف الزمان ، كقولك « صيم رمضان » وأصله صام الناس رمضان . وظرف المكان ، كقولك « جلس أمامك » والدليل على أن الأمام من الظروف المتصرفة التي يجوز رفعها قول الشاعر : 74 - فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه * مولى المخافة خلفها وأمامها فموضع « كلا » رفع بالابتداء ، و « خلفها » بدل منه ، و « أمامها » عطف عليه ،