الخطيب القزويني

3

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )

تقديم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لما كانت " العربية " لغة حية فقد كان من الطبيعي أن تجد نفسها على مدى العصور في حالة بحث دائم عما يلبي حاجات أبنائها المتجددة أبدا تبعا لسنة التطور ، وإذا كانت اللغة موروثا يملكه الفرد والجماعة على السواء ، فلا مفر من تثميره بلا انقطاع لتوظيفه في مجاله الطبيعي بما يعود بالخير والنفع على مالكيه ، ومن هنا كان سهر الطلائع من أهل الفكر والأدب والشعر عبر الأجيال على رصد مخزونهم اللغوي ، والوقوف على ما يمكن أن يكون قد لحق به من نقص أو ضمور بفعل مستجدات الحياة لمده بدماء جديدة تكفل له النماء والصمود في وجه كل طارىء . والبلاغة هي مرتقى علوم اللغة وأشرفها فالمرتبة الدنيا من الكلام هي التي تبدأ بألفاظ تدل على معانيها المحددة ، ثم تتدرج حتى تصل إلى الكلمة الفصيحة والعبارة البليغة . وقد قيل : إذا تكلم المرء بلغة ما فهو يحدد هويته الحضارية والإنسانية ، وإذا امتلك لغته ، حدد مركزه في المجتمع ، فاللغة وإن كانت وسيلة للتعبير عن الفكر ، فهي تمثل الفكر كله ، ولا عجب بعد ذلك إذا تحققت أسباب التطور والرقي نتيجة العناية بها . واللغة ليست هدفا بحد ذاته ، بل هي أداة تنقل الأفكار والمشاعر بين البشر ، وهي أداة اتصال وحاملة معلومات ، فقد قامت اللغة بدور الوسيط الاجتماعي ونجحت في تحقيق الاتصال والتواصل بين الناس ، وكان أكثرهم قدرة على التأثير في نفوس سامعيه ، هو من يمتلك مهارة الكلام ، ويستعمل لغته بمرونة وطواعية في مختلف المجالات ، وكانت الفعالية الاجتماعية ترتبط بالبلاغة ، وهذه لم تكن تحتاج إلى أي أساس مادي ، بل تشترط قوالب تعبير إبلاغية جيدة عند المتكلم ليصنّف بين المؤثرين في مجتمعه . وقد ذكر كثير من العلماء وجوها عديدة لبيان إعجاز القرآن الكريم ، كالتنبؤ بالمستقبل ، وذكر أخبار وقصص الأولين وأحوالهم ، والإشارات إلى الاكتشافات العلمية