محمد بن عبد الله ( ابن مالك )

44

إيجاز التعريف في علم التصريف

إلا أن يوجب تقدير زيادته استعمال ما أهمل ، كمحبب « 145 » ، فإنّه مفعل ؛ لأنّ تقدير زيادة إحدى باءيه يوجب أن يكون الأصل ( م ح ب ) ، وهو تركيب أهملت العرب جميع وجوهه . وكذلك إن سقط حرف اللّين في بعض التّصاريف فهو زائد ، والهمزة ، أو الميم ، أصل ، كواو أولق ، وهو الجنون ، فإنّها زائدة ؛ لسقوطها في قولهم : ألق الرّجل ألقا ، فهو مألوق ؛ أي : جنّ . هذا هو الأشهر . وبعض العرب يقول : ولق ولقا ، فهو

--> ( 145 ) وأما محبب فمفعل ، وإن لم يدغم ؛ لأنه علم ، والأعلام تغير كثيرا عما عليه غيرها مما ليس علما ، والفك فيه شاذ ، وكان القياس : محبّ . فإن قيل : ولم جاز في الأعلام التغيير عن الأصول ؟ قيل : لأنها كثيرة الاستعمال ، معروفة المواضع ، والشيء إذا كثر استعماله ، وعرف موضعه ، جاز فيه من التغيير ما لا يجوز في غيره . فإن قيل : فهلا جعلتم الميم في محبب أصلية ؛ بدليل فك الإدغام ، كما فعلتم ذلك في مهدد ؟ فالجواب : إنه لما كان جعل الميم أصلية يؤدي إلى الحمل على القليل ، وجعلها زائدة يؤدي أيضا إلى ذلك ، كان الأولى الحكم بالزيادة هنا ، لأن الميم إذا كانت زائدة كانت الكلمة من تركيب ( ح ب ب ) وهو موجود ، وإذا كانت أصلية كانت الكلمة من تركيب ( م ح ب ) وهو غير موجود ، فكان الحمل على الموجود أولى . وإن قيل : فهلا جعلنا الميم في مهدد زائدة كما جعلناها في محبب كذلك ، ويكون الفك في مهدد شاذا ، كما في محبب ، ويكون من باب : لححت عينه ، وألل السّقاء ، وضبب البلد ، كما أن جعل الميم أصلية أولا قبل ثلاثة أصول قليل ؟ فالجواب : إذا كانت الأصالة والزيادة تفضيان إلى قليل ، كان الحكم بالأصالة أولى . وإن قيل : قد اعتددت بالإظهار الشاذ في محبب ، واحتججت لذلك بعلميته ، وأن الأعلام تغير كثيرا ، وبنيت على ذلك حكما بزيادة الميم ، ومهدد علم مثله ، فلم لا تحكم بزيادة ميمه أيضا ؟ فالجواب : إنما قيل في محبب إنه مفعل ؛ لأنه من الحبّ لا غير ، وليس في مهدد ما يدل على أنه من الهدّ دون المهد ، فيقضى بأنه مفعل ، ولا يترك الظاهر إلى غيره إلا بدليل ، ولا دليل هنا ، بل إظهار هم الدالين يدل على أنه فعلل ، فيكون اشتقاق هذا الاسم من المهاد ، ومهّدت الشيء ، كأن المرأة سميت بذلك لأنها ممهّدة المودّة ، وطيئة الأخلاق ، فيكون قريبا من تسميتهم إياها سعدة من المساعدة ، ووصال من المواصلة ، فهذا أشبه ، مع إظهار الدال ، من أن يكون من الهدّ ، ولا يعلم في الكلام تصريف ( م ح ب ) ميكون محبب فعللا منه . وانظر المصنف لابن جني ( 1 / 141 - 43 ) ، وسر الصناعة له ( 1 / 426 - 28 ) ، والممتع لابن عصفور ( 1 / 252 - 53 ) .