محمد بن عبد الله ( ابن مالك )
39
إيجاز التعريف في علم التصريف
--> - - المشهور عن جمهور البصريين أنهم يرون أن نحو كفكف وسمسم رباعي الأصول ، صح إسقاط ثالثه أو لم يصح ، وزنته : فعلل . وقالوا في الاحتجاج لمذهبهم : إن أصالة اثنين من الأربعة متيقنة ، ولا بد من ثالث مكمل لأقل الأصول ، فلا بد من الحكم بأصالة ثالث ، وليس أحد الباقيين بأولى من الآخر ، فحكم بأصالتهما معا . وإن الزيادة إنما تعتقد بدليل ، ولا دليل ، بل الدليل قائم بخلاف ذلك . وإننا لو حكمنا بزيادة أحد المثلين ، وقد تعذر الحكم بزيادتهما معا ، لأدى ذلك إلى بناء مفقود . إذ يصير وزن الكلمة على تقدير زيادة أولها : ( عفعل ) ، وهذا بناء مفقود . وأيضا فإن الكلمة إذ ذاك تكون من باب ( سلس وقلق ) ، أي : مما لامه وفاؤه من جنس واحد ، وهذا قليل . ويصير وزن الكلمة عند تقدير زيادة ثانيها : ( فلعل ) ، وهو أيضا بناء غير موجود . وكذلك تصير الكلمة إذ ذاك من باب ( ددن ) ، أي : مما فاؤه وعينه من جنس واحد ، وهو نادر . ويصير وزن الكلمة على تقدير زيادة ثالثها : ( فعقل ) ، وهو أيضا بناء غير موجود ، وأيضا تصبح الكلمة إذّاك من باب ما ضوعفت فيه الفاء ، نحو مرمريس ومرمريت ، على زنة فعفعيل ، وهذا البناء قليل جدا ، لم يسمع في غير هاتين الكلمتين . ويصير وزن الكلمة على تقدير زيادة رابعها : ( فعلع ) ، وهذا بناء غير موجود . وأيضا تصبح الكلمة من باب ( سلس وقلق ) ، وقد تقدم أنه قليل . فقد اتضح أن الحكم بزيادة أحد الأربعة يؤدي إلى بناء مفقود غير موجود ، وإلى دخول في باب قليل ، فرفض ذلك ، فتعين الحكم بالأصالة . فإن قيل للبصريين : فما تقولون في نحو : كفكف وكفّ ، وصرصر وصرّ ؟ قالوا : كلا الكلمتين أصل ، وليست إحداهما من الأخرى في شيء ، بل هما من المترادفات التي توافقت في معظم اللفظ . - والمشهور عن الكوفيين أن الرباعي المضاعف بنوعيه ثلاثي على زنة فعّل ، صحّ إسقاط ثالثه أو لم يصح . قالوا : أصل نحو كفكف : كفّف ، فاستثقل العرب توالي ثلاثة أمثال ، وهي الفاءات هنا ، فأبدلوا من ثانيها ، وهي العين الثانية من فعّل ، حرفا من جنس فاء الكلمة ، وهي الكاف ، تخفيفا ، فقالوا : كفكف ، وكان الإتيان بحرف مماثل لأحد حروف الكلمة أخف وأولى من الإتيان بأجنبي . وعليه فزنة نحو كفكف وصرصر وحثحث : فعّل ، أي : وزنوا الثالث بحسب ما يقابل المبدل منه في الميزان ، لا بحسب لفظ البدل ؛ لأن المبدل تكرير لأصلي ، وما كان كذلك فهو في الوزن على مثل ما يوزن به الأصلي ، وهو العين ، فقالوا : كفكف فعّل ، كما قالوا في قال : فعل ، وفي اصطلح : افتعل . ورد هذا المذهب بأن مثل هذا الإبدال لم يثبت ، بل العرب إذا استثقلوا التضعيف أتوا بحرف علة بدل المضاعف ، كقولهم في تظنّنت : تظنّيت ، وفي تقصّصت : تقصّيت ، دون : تظنظنت وتقصقصت . -