شوقي ضيف

259

المدارس النحوية

ولعلنا لا نغلو إذا قلنا بعد ذلك إن أكثر الأصول التي اعتمدها ابن جنى في كتابه الخصائص إنما استمدها من إملاءات أبى على أستاذه وملاحظاته . وإذا رجعنا إلى آرائه النحوية وجدناه في طائفة منها ينصر الخليل وسيبويه ، وغيرهما من البصريين ، وفي طائفة أخرى ينتصر للكوفيين ، ويكفى أن ندل على ذلك ببعض الأمثلة ، فمما انتصر فيه للخليل أن لا النافية قد تأتى زائدة كما في قوله تعالى : ( وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) « 1 » . وانتصر له ولسيبويه في تحليل ويكأنه في قوله جلّ شأنه : ( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) إذ كانا يذهبان إلى أن ( وى ) مفصولة بمعنى أعجب ، وذهب الأخفش إلى أنها موصولة بالكاف ، أي ( ويك أنه لا يفلح الكافرون ) وويك عنده بمعنى أعجب ، وعلّق أن وما بعدها بما في ويك من معنى الفعل . ووقف أبو علي مع الخليل وسيبويه مؤكدا أن « كأن » قد تأتى كالزائدة ، وأنشد في ذلك بيت عمر أبى ربيعة : كأنني حين أمسى لا تكلمني * ذو بغية يشتهى ما ليس موجودا أي أنا كذلك » « 2 » . وكان سيبويه يذهب إلى أن « إذما » حرف شرط مثل إن ، وذهب المبرد وابن السراج - وتابعهما أبو علي - إلى أنها ظرف مثل إذ « 3 » . وقد أجاز مع الأخفش والكوفيين ترك صرف ما ينصرف في ضرورة الشعر « 4 » . وعلى نحو ما كان ينتخب لنفسه من الآراء البصرية كان ينتخب من الآراء الكوفية ما صحّ في قياسه ، من ذلك أنه كان يقف مع الكوفيين في إعمال الفعل الأول في باب التنازع مستدلا بقول امرئ القيس : ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني - ولم أطلب - قليل من المال « 5 » وكان يتابعهم في إعمال إن النافية عمل ليس لما رووا عن بعض أهل العالية في نجد من قولهم : « إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية » « 6 » . وتابعهم في أن

--> ( 1 ) المغنى ص 278 . ( 2 ) الخصائص 3 / 170 . ( 3 ) المغنى ص 92 . ( 4 ) ابن يعيش على المفصل 1 / 68 . ( 5 ) المغنى ص 563 . ( 6 ) همع الهوامع 1 / 124 .