شوقي ضيف

230

المدارس النحوية

غير أن ضعف الحجة عند ثعلب ينبغي أن لا يستر عنا قيمته الحقيقية في تاريخ النحو الكوفي ، فقد شهد له القدماء بأنه كان من معرفته ومعرفة آراء إماميه الكسائي والفراء على ما ليس عليه أحد لا من معاصريه ولا ممن خلفهم ، وقد مضى في إثرهما يستخدم المصطلحات التي جرت على ألسنتهما ، واضعا السماع نصب عينه ، فهو الحجة القاطعة والبرهان الناصع على القاعدة النحوية ، ونراه يعتد - اعتدادهما - بأشعار وأقوال الفصحاء المتحضرين مضيفا إلى ذلك مادة لا تكاد تنفد من أشعار الجاهليين والإسلاميين والبدو المعاصرين ، ومستعينا بما رواه الكسائي والفراء في كتبهما من تلك المادة وقد ظل أحقابا متطاولة يدرسها لطلابه ، وكأنهما كانا علمين منصوبين أمامه ، لا بآرائهما النحوية فقط بل أيضا بكل ما أنشداه من نوادر الأشعار . ووجدهما لا يعتمدان على الحديث النبوي في النحو واللغة ، فتبعهما في ذلك ، كما تبعهما في الاستشهاد بالقراءات ، ولكنه لم يتوقف عند حروف منها على نحو ما توقف الشيخان ، وكأنه كان يجد في ذلك حرجا ، ولعل ذلك ما جعله يقول : « إذا اختلف الإعرابان في القراءات لم أفضّل إعرابا على إعراب ، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى » « 1 » . ومر بنا أن الفراء كان ينكر قراءة ابن عامر ( وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ ) بالفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وأنكر معها البيت الذي استشهد به الأخفش واتهمه ، أما ثعلب فوثقه وأنشده في مجالسه « 2 » ، وبذلك وجه الكوفيين إلى اعتماد مثل ذلك في تصاريف العبارات « 3 » . وقد أخذ نفسه بدعم آراء الكسائي والفراء مستشهدا بما استشهدا به من أشعار ومضيفا إليها عتادا جديدا ، خاصة إذا تناولت مسألة من المسائل التي اختلفا فيها مع البصريين ، من ذلك ما كان يجيزه الكسائي من حذف لام الأمر في المضارع وبقاء جزمه مع تقدم قل ، وجعل من ذلك قوله تعالى : ( قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ) أي ليقيموها ، وكان المبرد يذهب إلى أنه لا يصح حذف

--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ( طبعة الحلبي ) 1 / 83 . ( 2 ) المجالس ص 152 . ( 3 ) الإنصاف ، المسألة رقم 60 .