شوقي ضيف

223

المدارس النحوية

وقد بقي منه نحو جزء لم ينشر ، وأغلب الظن أنه ضمنه حروفا أخرى ردّها على القرّاء منكرا لها أو مقبّحا أو مضعفا . ولا نعلم بصريّا جاء بعده وردّ مثل هذا القدر من القراءات ، بل لقد كان المازني والمبرد وأضرابهما ممن توقفوا بإزاء بعض القراءات متابعين له مقتدين به . وبذلك يسقط جلّ ما نسبه صاحب الإنصاف إلى البصريين دون الكوفيين من إنكار بعض القراءات . وينبغي أن نعرف أن الفراء ومن تابعه من البصريين لم يكونوا يقصدون إلى الطعن على القرّاء من حيث هو ، إنما كانوا يتثبتون ويتوقفون في مواضع التوقف حين يعييهم أن يجدوا للقراءة الشاذة على عامة القراء ما يسندها من كلام العرب . وقد تمسكوا تمسكا شديدا بصورة كتابة المصحف ، ولم يدلوا برأي يخالفها بوجه من الوجوه . ونرى الفراء نفسه يتوقف بإزاء الآية : ( فَما آتانِيَ اللَّهُ ) ويقول إنه لم يثبت الياء في ( أتاني ) لأنها محذوفة من الكتاب . ويذكر أن بعض القراء كان يستجيز زيادة الياء والواو المحذوفتين في مثل الآية السابقة ومثل : ( وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ ) فيثبت الياء في ( أتاني ) والواو في ( يدعو ) وليست في المصحف ، ويقول إنه لا يأخذ بذلك ، بل يتقيد بالمصحف وكتابته المأثورة ما دام لذلك وجه من كلام العرب ، وما دام هو الذي قرأ به القراء ، ولا يلبث أن يقول : « كان أبو عمرو يقرأ ( إن هذين لساحران ) أي بدلا من القراءة العامة إن هذان لساحران ولست أجترئ على ذلك وقرأ ( فأصّدق وأكون ) ( أي بدلا من القراءة العامة وأكن ) فزاد واوا في الكتاب ولست أستحب ذلك » « 1 » . ولعل في هذا ما يشهد شهادة قاطعة بأنه وأمثاله ممن كانوا يردون بعض القراءات التي لا تعدو حروفا معدودة لم يكن دافعهم إلى ذلك الطعن والتنقص ، إنما كان دافعهم الرغبة الشديدة في التحري والتثبت .

--> ( 1 ) معاني القرآن 2 / 293 .