شوقي ضيف

219

المدارس النحوية

قياس النحو البصري ، وصوّرنا ذلك من بعض الوجوه في حديثنا عنه ، وأشرنا إلى أن الكسائي كان يرّد بعض القراءات ولا يجوّزها وأن البصريين الذين خطّأوا بعض القراءات إنما اقتدوا في ذلك بالفرّاء . ومن يرجع إلى كتابه « معاني القرآن » يجد الآيات التي خطّأوا القرّاء فيها قد سبقهم إلى تخطئة جمهورها الأكبر ، فهو الذي فتح لهم هذا الباب على مصاريعه . ونحن نسوق بعض ما قرأناه له من ذلك في الجزءين المطبوعين من الكتاب ، ولا بد أن وراءه فيما لم ينشر منه مادة أخرى من هذه التخطئة . وأول ما يلقانا به أنه سقطت في بعض المصاحف ألف الوصل والقطع من كلمة ( الأيكة ) فكتبوها هكذا ( ليكة ) يقول : والقراء يقرءونها على التمام أي ( الأيكة ) « 1 » . وكأنه بذلك ينكر قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر : ( ليكة ) بفتح اللام وسكون الياء وفتح التاء في آية الشعراء ( كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) « 2 » وهم من أصحاب القراءات السبع المتواترة . ولا يلبث أن يقف عند قراءة حمزة بن حبيب الزيات ، أستاذ الكسائي وأحد أصحاب هذه القراءات ، للآية الكريمة : ( إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ) فقد قرأها ( يخافا ) بالبناء للمجهول ، وأثبت ذلك الفرّاء قائلا : « ولا يعجبني ذلك » واستشكل عليه بأنه يترتب على قراءته أن يكون الخوف قد وقع على ضمير الاثنين وعلى ( أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ) وكأن الفعل ليس له نائب فاعل واحد بل له نائبان ، والنحويون يوجّهون ذلك بأن عبارة ( أَلَّا يُقِيما ) بدل اشتمال من ألف الاثنين « 3 » . ووقف بإزاء قراءة عاصم - وهو من أصحاب القراءات السبع المتواترة - لكلمة ( يَؤُدُهُ ) * بسكون الهاء في قوله تعالى : ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) وقال إذا كان قد ظن هو ومن شاكله من القرّاء أن الجزم في الهاء ، وإنما هو فيما قبل الهاء ، فهذا وإن كان توهما ، خطأ . وكان حريّا به أن لا يذكر هذا التوهم والخطأ لأنه عاد فقال موجها للقراءة بأن من العرب من يجزم الهاء ، أو بعبارة

--> ( 1 ) معاني القرآن 1 / 88 ، 2 / 91 . ( 2 ) انظر تفسير أبى حيان المسمى باسم البحر المحيط 7 / 37 . ( 3 ) معاني القرآن 1 / 145 وانظر البحر المحيط 2 / 197 .