شوقي ضيف
195
المدارس النحوية
يتحاورون فيها ويتناقشون ، ولا يكاد يترك له مستشاروه من مثل ثمامة بن أشرس المعتزلي عالما إلا ويشخصونه إلى مجالسه ، ويطلب ثمامة الفراء ، ويلقاه ، ويعجب به وبثقافته كما مرّ بنا إعجابا شديدا ، ويقدّمه إلى المأمون ، فيحظى بإعجابه . وربما أعجبهما فيه بالإضافة إلى علمه الغزير باللغة والنحو والقرآن اعتزاله ، إذ كان المأمون يعتنق الاعتزال مثل مستشاره ثمامة . ولم يلبث أن اختاره مؤدبا لابنيه . وبعثه على تأليف كتاب يجمع أصول النحو ، ويقال إنه أفرد له حجرة في الدار ووكّل به من يقومون بكل حاجاته ، وصيّر له جماعة من الوراقين ليملى عليهم الكتاب . ويقال إنه ظل يمليه ويصنّف فصوله ومواده في سنتين ، وهو كتاب الحدود ، وفي فهرست ابن النديم تعريف دقيق بما تشمل الحدود فيه من فصول النحو وعتاده . وفي هذه الأثناء نراه يتصل بطاهر بن الحسين قائد المأمون المشهور الذي قضى له قضاء مبرما على أخيه الأمين . وكان يعنى بابنه عبد اللّه وبفصاحته ، ويظهر أنه لحظ عليه بعض اللحن والخطأ في كلامه أو في بعض كتابته ، فطلب إلى الفرّاء أن يكتب له كتابا يقفه فيه على اللحن المتفشى على ألسنة العوام ، فصنف كتابه البهاء أو البهى فيما تلحن فيه العامة . وصنف لعبد اللّه كتابا ثانيا هو كتابه « المذكر والمؤنث » وهو مطبوع . وما زال يتابع هذا الجهد العلمي المثمر حتى لبّى نداء ربه في طريقه إلى مكة سنة 207 للهجرة . 2 وضعه النهائي للنحو الكوفي ومصطلحاته رأينا الكسائي يرسم منهج النحو الكوفي على أسس ثلاثة هي الاتساع في الرواية بحيث تفتح الأبواب على مصاريعها لرواية الأشعار والأقوال والقراءات الشاذة ، والاتساع في القياس بحيث يعتدّ في قواعد النحو بالشاذ والقليل النادر ، والاتساع في مخالفة البصريين اتساعا قد يؤول إلى مدّ القواعد وبسطها بآراء لا تسندها الشواهد اللغوية ، بل قد يؤول أحيانا إلى رفض المسموع