شوقي ضيف

193

المدارس النحوية

ومعنى ذلك كله أن الفراء عنى منذ نشأته في الكوفة والبصرة بالوقوف على ثقافات عصره الدينية والعربية والكلامية والفلسفية والعلمية ، ويشهد بذلك معاصروه ، فيقول ثمامة بن أشرس وقد جلس إليه بأخرة من حياته : « جلست إليه ، ففاتشته عن اللغة ، فوجدته بحرا ، وفاتشته عن النحو ، فوجدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ، وبالنجوم ماهرا ، وبالطب خبيرا ، وبأيام العرب وأخبارها وأشعارها حاذقا » . ويصفه مترجموه بالتفلسف في تصانيفه وأنه كان يستعمل فيها ألفاظ الفلسفة . وقد تعمّقه ميل شديد لإتقان العربية ، والعناية بالقرآن الكريم وقراءاته وتفسيره وعاد إلى مسقط رأسه بعد : أن حمل من ذلك أزوادا كثيرة . وكانت شهرة مواطنه الكسائي قد أخذت تدوّى في بلدته ، فرحل إلى بغداد ، ولزمه منذ عصر المهدى « 1 » ، وأخذ كل ما عنده . ويظهر أن أستاذه عرّف الرشيد به ، إذ نراه يحضر مجالسه . ومضى يفرغ للنحو واللغة والقرآن ، حتى إذا وجد أستاذه يطلب كتاب سيبويه ويمليه عليه الأخفش انقضّ على هذا الكتاب يلتهمه التهاما ، ويلتهم معه كتابات الأخفش في النحو ، ومن طريف ما يروى عنه أنه مات وتحت رأسه الكتاب ، وكأنه لم يكن يفارقه . وأكبر الظن أن هذه النسخة للكتاب التي وجدت تحت رأسه هي نفسها النسخة التي أهداها الجاحظ إلى ابن الزيات وزير المعتصم والواثق ، إذ ذكر الرواة أنه أهداه كتاب سيبويه بخط الفرّاء وعرض الكسائي ومقابلته ، فتقبّله قبولا حسنا ، شاكرا مثنيا « 2 » . وقد مضى في إثر أستاذه يكثر من الرواية عن الأعراب الذين نزلوا بغداد ، غير ملتفت لطعن البصريين فيهم وفي أمثالهم ممن اختلطوا بأهل الحضر . وتدور في كتابه معاني القرآن روايات كثيرة عن جماعة منهم في مقدمتها أبو دثار الفقعسي وأبو زياد الكلابي وأبو ثروان وأبو الجراح العقيلي ، فقد وجد عندهم مادة وفيرة من الشعر واللغة . ونظن ظنّا أنه تصدر للمحاضرة والإملاء على الطلاب في مسجد كان بجوار

--> ( 1 ) مجالس العلماء للزجاجى ص 269 . ( 2 ) إنباه الرواة 2 / 351 .