شوقي ضيف

177

المدارس النحوية

الكلية العامة للنحو ، كما تصوّره هو وأستاذه ، أو بعبارة أدق ، يريد أن يبعدها عن ألسنة الناس ، حتى تستقيم لألسنتهم عربيتهم في أفصح هيئة ممكنة . غير أن الكسائي - فيما يظهر لنا - رأى أن يعاد النظر في هذا التأصيل العام لقواعد النحو وأن يفسح فيها للقراءات واللغات الشاذة ، وبذلك خرج إلى صورة جديدة من النحو ، صورة لا تتفق والمناهج الدقيقة في وضع العلوم التي تقتضى في قواعدها الاطراد والتعميم والشمول ، ولكنها على كل حال فتحت الأبواب لا للاحتفاظ بالحروف الشاذة في قراءات الذكر الحكيم فهذه كانت ستحتفظ بها الأجيال العربية لتعلقها بالدين الحنيف ، وإنما للاحتفاظ بشواذ اللغات واللهجات وصونها وحمايتها من الضياع . ولا أظننا في حاجة إلى أن نبدئ ونعيد في أن البصريين عنوا بهذه الشواذ وتسجيلها ، ولكنها عناية من باب آخر ، إذ أرادوا أن يوضحوا الهجنة في استخدامها وأن يحصّنوا قواعدهم وألسنة الناس منها . وبذلك تعاون الطرفان المتعارضان على إثباتها ، مع اختلاف الغاية . ونبدأ بما وقف عنده الكسائي من بعض حروف في القراءات ، فمن ذلك الآية الكريمة : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) فقد لاحظ أن كلمة ( وَالصَّابِئُونَ ) عطفت بالرفع على اسم إن المنصوب قبل تمام الخبر ، وهو ( مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) * فوضع قاعدة عامة : أنه يجوز العطف على موضع إن واسمها ، وموضعهما الابتداء وهو مرفوع ، قبل مجىء الخبر ، فيقال إن محمدا وعلى مسافران . ومنع ذلك البصريون ، وأجابوا عن الآية جوابين : أحدهما أن خبر إن محذوف تقديره مأجورون أو آمنون أو فرحون ، والصابئون مبتدأ وما بعده خبره ، واستشهدو لذلك بقول بعض الشعراء : خليلىّ هل طبّ فإني وأنتما * - وإن لم تبوحا بالهوى - دنفان أي فإني دنف كما تدل على ذلك بقية العبارة . والجواب الثاني أن الخبر المذكور في الآية خبر إن ، أما ( الصَّابِئُونَ ) فخبرها محذوف ، تقديره كذلك ، واستشهدوا لهذا الجواب بقول ضابئ بن الحارث البرجمىّ :