شوقي ضيف
173
المدارس النحوية
ابن عمر المتوفى سنة 149 للهجرة وأبى عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب . وعكف على حلقة الخليل بن أحمد ، وراعته روايته لأشعار العرب وأقوالهم ، فسأله يوما عن ينابيع هذه الرواية ، فقال له إنها من ملابسة أهل البوادي في نجد والحجاز وتهامة ، فمضى إليهم في رحلة ثانية ، ومعه خمس عشرة قنينة حبر ، وظل يكتب ما يسمعه من أفواههم ويدوّنه في صحفه ، حتى أنفد كل ما حمله من حبر . ورجع إلى مسقط رأسه ، وقد بسط له لسانه وذلّل له منطقه واستقامت فصاحته وعربيته ، وأخذ يستغل ذلك استغلالا حسنا في قراءته للذكر الحكيم بقراءة أستاذه حمزة الذي كان قد لبّى نداء ربه . فكان يتلو القرآن على الناس من أوله إلى آخره ، والناس من حوله يسمعون ويكتبون مصاحفهم . وذاعت شهرته فطلبه المهدى ليتخذه مؤدبا لابنه هارون الرشيد ، حتى إذا ولى الخلافة بعد أبيه اتخذه مؤدبا لابنيه الأمين والمأمون . وظل مدة يقرئ الناس في بغداد بقراءة حمزة ، ثم اختار لنفسه قراءة ، صارت إحدى القراءات السبع المتواترة ، وأقرأ بها خلقا كثيرا . وكان يجلس بالمسجد الجامع على مقعد مرتفع ، والناس من حوله يكتبون المصاحف بقراءته وينقطونها ويضبطونها ويرسمون مقاطع الآيات ومبادئها . وكان الرشيد يجله ويوقّره ويفسح له في مجالسه ، وكثيرا ما كان يتخذه إمامه في صلواته ورفيقه في غزواته ومقامه بالرّقّة . ويظهر أنه لم يكفه حينئذ ما أخذه من اللغة وشواردها عن البدو الخلّص في الجزيرة العربية فقد مضى يكثر من سماعه عن أعراب الحطمة ، وهم عشيرة من بنى عبد القيس نزلت بغداد ، وأقامت بها ، وكأنه لم يكن يجد بأسا في الأخذ عن هؤلاء الأعراب ، بينما كان البصريون لا يروون اللغة عن أمثالهم من العرب المتحضرين الذين يمكن أن يكون قد دخل الفساد على ألسنتهم ، وسرعان ما ظهر أثر ذلك في مناظرته « 1 » لسيبويه حين قدم بغداد على نحو ما مرّ بنا في غير هذا الموضع ، فقد سبقه إليه تلاميذه : الفراء والأحمر وهشام ابن معاوية الضرير ومحمد بن سعدان ، وسأله الأحمر عن مسائل ، وكلما أجابه بجواب قال له أخطأت يا بصرى . ووافى الكسائي ومعه طائفة من عرب الحطمة ،
--> ( 1 ) انظر المناظرة في الزبيدي ص 68 وما بعدها .