راجي الأسمر
74
المعجم المفصل في علم الصرف
في المخرج لأنهما من الشّفتين كالفاء ، فلم تدغما في الفاء ، لأنّ الميم فيها غنّة والواو فيها لين ، والغنّة واللّين فضل صوت في الحرف ، فلو أدغمتها فيها لقلبتهما فاء ، فتذهب الغنّة واللّين فيكون ذلك إخلالا بهما . ثم الباء : وهي تدغم في الفاء والميم ، لقربهما منها في المخرج . وذلك نحو : « اذهب فّي ذلك » ، و « اصحب مّطرا » . ولا يدغم فيها شيء ، وسبب ذلك أنّ الذي يقاربها في المخرج إنما هو الفاء والميم والواو : فأما الفاء فلم تدغم فيها للعلّة التي تقدّم ذكرها في فصل الفاء . وأما الميم والواو فلم تدغما في الباء للعلّة التي منعت من إدغامهما في الفاء . وأيضا فإنّ النون الساكنة تقلب قبل الباء ميما ، فإذا كانوا يفرّون من النون الساكنة إلى الميم قبل الباء فالأحرى أن يقرّوها إذا وجدوها . ثم الميم : ولا تدغم في شيء مما يقاربها ، لأنها إنما يقاربها في المخرج الفاء ، والباء ، والواو ، وقد تقدّم ذكر السبب المانع من إدغام الميم في هذه الأحرف الثلاثة . ولا يدغم فيها إلّا النون - وقد تقدّم ذلك في فصل النون وأخواتها - والياء ، وقد تقدّم ذلك في فصل الياء وأخواتها . ثم الواو وهي لا تدغم إلّا في الياء ، لاجتماعها معها في الإعلال واللين . ولا تدغم في شيء مما يقاربها ، لأنها حرف علّة والمقارب لها حروف صحّة - وهي الميم والباء والفاء - وقد تقدّم أنّ حروف العلّة لا تدغم في حروف الصحّة ، وإعطاء السبب في ذلك . ولا يدغم فيها من غيرها إلّا النون ، وقد تقدّم ذلك في فصل النون وأخواتها . واعلم أنّ الإدغام في المتقاربين إنما يجوز إذا كانا من كلمتين ، لأنه لا يلتبس إذ ذاك بإدغام المثلين ، لأن الإدغام فيما هو من كلمتين لا يلزم ، بل يجوز الإظهار فيكون في ذلك بيان للأصل . فإن اجتمع المتقاربان في كلمة واحدة لم يجز الإدغام لما في ذلك من اللّبس بإدغام المثلين ، لأنّ الإدغام في الكلمة الواحدة لازم . فإذا أدغمت لم يبق ما يستدلّ به على الأصل ؛ ألا ترى أنك لو أدغمت النون من « أنملة » في الميم فقلت : « أمّلة » لم يدر : هل الأصل « أنملة » أو « أمملة » ؟ ولأجل اللّبس ، الذي في إدغام المتقاربين من كلمة واحدة بيّنت العرب النون الساكنة ، إذا وقعت قبل الميم ، أو الواو ، أو الياء في كلمة ، نحو : « زنم » « 1 » ، و « أنملة » ، و « قنواء » « 2 » ، و « كنية » ولم تخفها كما تفعل بها مع سائر حروف الفم ، لأنّ الإخفاء يقرّبها من الإدغام ، فخافوا أن يلتبس الإخفاء بالإدغام ، فقلبوا لذلك .
--> ( 1 ) زنم : جمع زنماء ، وهي الشاة التي لها زنمة ، وهي اللحمة المتدلّية كالقرط من الأذن . ( 2 ) القنواء : المحدودبة الأنف .