عصام عيد فهمي أبو غربية

97

أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق

* نوعية الشعر المدروس : والشعر الذي درس لم يكن مطلق شعر ، بل انتقوا نوعا معيّنا منه هو « البدوي الوعر » ، جعلوه مناط الأصالة والنقاء ، وأحرى من غيره بالقبول ، وأقوى في الاستشهاد 704 . والروايات تدل على أن كثيرا من النحاة كانوا لا يميلون من الشعر إلا ما فيه إعراب مستغرب ومعنى مستصعب ، ومن هنا حظى الرجز بعناية خاصة ، لم تحظ بها أشكال الشعر الأخرى ؛ لأن أبرز سماته هي غرابة الألفاظ والتراكيب ، وتلك سمات تحقّق لهم ما يطلبون في المادة اللغوية من « النقاوة والأصالة » ، تلك التي لا تتوافر على ألسنة الناس فيما يتداولونه في شؤون الحياة العامة من النثر والكلام العادىّ ؛ إذ يتساوى في هذه الوظيفة الاجتماعية من هو فصيح ومن ليس بفصيح 705 . * أسس موقف النحاة من الشعراء : ويمكن أن نبيّن أسس موقف النحاة من الشعراء في : 1 - التفضيل بالعصر لا بالمادة الشعرية المدروسة ؛ فكل ما هو قديم يعدّ في نظرهم جيدا قابلا للدرس ، أما الحديث المعاصر فمحكوم عليه بالفساد والصنعة ، والروايات على هذا كثيرة متعددة ، ومن أشهرها أن إسحاق الموصلىّ أنشد الأصمعىّ قول الشاعر : هل إلى نظرة إليك سبيل * فيروى الصدى ويشفى الغليل ؟ إن ما قلّ منك يكثر عندي * وكثير ممّن تحبّ القليل فقال الأصمعىّ : لمن تنشدنى ؟ فقال : لبعض الأعراب ، فقال : هذا واللّه هو الديباج الخسروانى ، فقال : فإنهما لليلتهما ، فقال : لا جرم ، واللّه إن أثر الصنعة باد عليهما 706 » . هكذا حكمان متناقضان في نفس الوقت ! ! فهو الديباج الخسروانى إذا كان لبعض الأعراب ، وهو شعر مصنوع إذا كان مولّدا أو محدثا ، وينبغي - كما يقول الدكتور أحمد درويش - : « أن يكون عنصر الحكم تاليا لعنصر التحليل ومسبّبا عنه بحيث يتلاءمان معا ، وحيث ينفرد عنصر الحكم بعيدا عن التحليل يفقد النقد كثيرا من قيمته ، ويمكن القول بصفة عامة أنه في عصور الضعف يختفى التحليل ، ويظهر الحكم ، وفي عصور النضج يكون التحليل هو الأهم والمقدم والممهد للحكم 707 » .