محمد المختار ولد أباه

89

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

والنحاة حينما يشيرون إلى الكتاب ، فإنهم ينظرون إليه ، وكأنه « المعجزة » النحوية التي ليس لأحد أن يأتي بمثلها . وليس من شك أن الكتاب ثروة علمية فريدة ، إذ أن جمع حصيلة قرن من ثمرات تفكير العلماء الذين سبقوه من أبي الأسود إلى الخليل . ويتفق معاصروه أنه كان أمينا في نقله ودقيقا في منهجه حتى أن يونس الضبي ، لما نظر في كتاب سيبويه قال : يجب « أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل فيما حكاه كما صدق فيما حكى عني » « 1 » . اعتمد المؤلف في كتابه أساسا على ما أخذه من الخليل حتى قيل عنه إنه جمع ألف ورقة من علم الخليل ، فتارة يذكره باسمه قائلا : « وزعم الخليل » ( ولفظة زعم لا تدل على التشكيك ) ، وتارة يقول « وسألته » والإضمار هنا يدل على استمرار حضور الأستاذ في ذهن تلميذه ، كما أنه روى عن يونس بن حبيب الضبي نحوا من مائتي مسألة ، وعن أبي عمرو بن العلاء زهاء أربعين ، وقرابة العشرين عن عيسى بن عمر ، ونصفها عن ابن أبي إسحق الحضرمي ، وروايته عن هؤلاء الثلاثة أكثرها عن طريق يونس . وظهر الكتاب موسوعة في النحو والصرف واللغة إذ أنه لم يقتصر على رسم أشكال وقوالب متحجرة ، بل هو عرض يزخر بالأمثلة الحية ، مبرزا الصلة العضوية بين النظريات النحوية والاستعمالات اللغوية ، فأذن بانطلاق هذا الفن انطلاقة حرة ، أوحت إلى الذين جاءوا من بعده أن يسيروا في طرق متنوعة ، فمنهم من ركز جهده على استخلاص القواعد الأساسية ، وتثبيت عللها وقياساتها جاعلا من النحو علما منطقيا مستقلا ، ومنهم من حرص أن يستشف منه أسرار اللغة العربية وبيانها ، وكلّ من أولئك وهؤلاء يجد في الكتاب مرتكزا يستمد منه ما يريده ، ولقد بلغ الإعجاب بدراسته أن الجرمي ذكر أنه ظل ثلاثين سنة يفتي في الفقه من كتاب سيبويه « 2 » .

--> ( 1 ) الزبيدي : طبقات النحويين ، ص 52 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 75 .