محمد المختار ولد أباه

73

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

طلبة العلم وفصحاء الأعراب ، فيأخذ ويعطي . ويقول أبو زيد الأنصاري : ما رأيت أحدا أبذل للعلم من يونس « 1 » . كما كان سريع البديهة في الاستفادة من كلام العرب ، من ذلك أنه جاءه أعرابي مرة ، وسأل الناس ، قائلا من ينصرني للّه « فقال يونس » ها هي أتتكم عن قرب ، إنه يعني يرزق » وهذا مثل قوله تعالى : مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ( الحج - الآية 15 ) « 2 » . كانت هذه الحلقة مدرسة العلماء ، مكث فيها أبو عيسى أربعين سنة ، وخلف الأحمر عشرين وأبو زيد الأنصاري عشر سنوات ، وأخذ منها سيبويه نحوا من مائتي مسألة في كتابه . ولما رأى يونس كتابه ، وقرأ ما روى عنه ، قال : صدق في جميع ما قال ، وهو قولي « 3 » . ولم يك البصريون وحدهم هم الذين رووا عنه ، فقد زاره أئمة الكوفة مثل الكسائي الذي سئل في مجلسه عن قول الشاعر : غداة أحلّت لابن أصرم ضربة * حصين عبيطات السدائف والخمر بم رفع الشاعر الخمر ؟ فقال إنه على إضمار : وحلت له الخمر . واستحسن يونس توجيهه ، غير أنه قال إنه روى البيت بنصب « ضربة » ، ورفع عبيطات . وأن الشاعر جعل الفاعل مفعولا مثل ما قال الحطيئة : فلما خشيت الهون والعير ممسك * على رغمه ما أمسك الحبل حافره « 4 » وممن روى عنه كذلك الفراء ، وقد أنشده : ربّ حلم أضاعه عدم المال * وجهل غطّى عليه النعيم ولم تمنع يونس مزاولة التدريس ، من ممارسة التأليف فكان من رواده

--> ( 1 ) الزبيدي : طبقات النحويين ، ص 52 . ( 2 ) أبو عبيدة : مجاز القرآن ، ج 2 ص 46 . ( 3 ) السيرافي : اخبار النحويين ، ص 64 . ( 4 ) القفطي : انباه الرواج ، ج 4 ص 78 .