محمد المختار ولد أباه
68
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
وهما بابان صارا حكمة * وأراحا من قياس ونظر « 1 » هذان الكتابان هما أول ما تحدث عنه مؤرخو النحو في مستهل عصر التدوين ويقول ابن الأنباري إنه ما رآهما « 1 » ولا رأى من رآهما . غير أن أبا الطيب اللغوي روى أن أحدهما مبسوط ، والآخر مختصر ، وأن المبرد قد قرأ منهما أوراقا « 2 » . أما القفطي فيورد أن عيسى كتب نيفا وسبعين كتابا في النحو . وأن جامعه هو كتاب سيبويه ، وإنما زاد فيه وحشاه ، ولما أحضره للخليل قال فيه الأبيات المذكورة ، وإشارته في قوله « وهذا جامع » تدل على أن جامع عيسى بن عمر هو ما قدم سيبويه إلى الخليل « 3 » . والرواية الأخيرة غير محتملة ، لأن كل ما في الكتاب معزو لمن نقل عنه مثل الخليل ويونس وعيسى بن عمر نفسه ، وقد تكون هذه الرواية من اختلاق خصوم سيبويه الذين يسعون إلى التقليل من شأنه ، مثل قولهم إن الكتاب اجتمع على تأليفه أكثر من أربعين عالما « 4 » . وصحة نسبة أصول الكتاب لسيبويه لا تنقص من قدر عيسى بن عمر الذي افتتح به عصر التدوين النحوي . فقد كانت دراسة النحو من قبله تقتصر على تصورات أولية لقواعد اللغة العامة من خلال رصد الظواهر الإعرابية ، ووضع المصطلحات المميزة لكل ما يوصل إليه القياس والتعليل من تنظيم وتبويب . وكان هذا النشاط متداولا في شكل دروس ومناظرات ، ومجالس وحلقات تتحول مضامينها إلى روايات محفوظة ، وقد يقل ما كان مكتوبا منها ، لأن الاعتماد كان على الذاكرة والقياس والنظر ، حتى جاء عيسى بن عمر وأراح الناس من « القياس والنظر » . وكتاب عيسى بن عمر لم يره الناس ، لأنهم استغنوا عنه بكتاب سيبويه الذي
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 47 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 46 . ( 3 ) إنباه الرواة ، ج 2 ص 375 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ج 2 ص 347 .