محمد المختار ولد أباه

64

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

إن يجبنوا أو يبخلوا * أو يغدروا لا يحفلوا يغدوا عليك مرجّلين * كأنّهم لم يفعلوا « 1 » ولقد أشرنا إلى نزعته التسهيلية في الآداء ، وقد ظهرت عنده في النسبة والتصغير فكان يقول في النسبة إلى الظبية ظبيي ، وإلى حية حيي ، وأنيس في تصغير ناس . هذا ويعتقد بعض المؤرخين أنه لم يكن نحويا بالمعنى الدقيق ، وقد يعنون بها أنه لم يؤثر عنه كتاب في النحو . ولم يختص بالبحث عن تأسيس القواعد النحوية مثل ما كان من شيخه عبد اللّه بن أبي إسحق الحضرمي . وأما كونه أسهم في تقدم الدراسات النحوية فهذا مما لا شك فيه . فلقد ظهرت آراؤه في بعض الجزئيات النحوية والصرفية ، ونقلنا مقالته أنه عرف من النحو ما لا يستطيع الأعمش حمله ، وإذا كان أكثر نشاطه يتناول اللغويات ، فذلك لأنه في عهد لم تنفصل فيه اللغة عن النحو ، وفي مجال أصول النحو ، فإنه أسهم بقسط وافر في وضع مقاييس السماع اللغوي الصحيح . ويمكن اختصار هذه المقاييس في ثلاثة أسس : أولا : نص التنزيل ، الذي يمثل الفصيح المطلق ، والمثل الأعلى ، والمرجع الفصل حينما تثبت رواية القراءة ، التي يمكن أداء نصها المروي والمرسوم وفق ما تجري عليه ألسنة العرب الفصحاء . ثانيا : أن العربية التي يتكلم بها معاصروه لم تعد فصيحة كلها بسبب اختلاط العرب بغيرهم ، ولذلك يقول الأصمعي إنه جلس معه عشر سنوات ولم يسمعه يحتج إلا بشعر جاهلي . ولما سمع من أبي خيرة قوله « استأصل اللّه عرقاتهم » بفتح التاء . قال له : « لأن جلدك » فكان حريصا على التمسك بالسماع الصحيح « 2 » .

--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ج 3 ص 87 . ( 2 ) ابن جني : الخصائص ، ج 1 ص 384 .