محمد المختار ولد أباه
497
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
وهو محز هذه المسألة ثم مد الطيل وأطال النفس في بيان كونه وهما ، إلى أن مثل الصورة الواحدة المترددة في البصر ، فكما أن النظر إليها بالبصر الواحد مرات لا يوجب لها تعددا بحسب الأزمنة ، ولا أيضا النظر بالأبصار الكثيرة ، فكذلك استحضار الذهن الصورة الواحدة الكلية لا يوجب لها تعددا بحسب الأزمنة ولا هي تتعدد بحسب الأذهان ، وأيضا فلو كانت الصورة الذهنية تختلف بتعدد الأذهان ، لكان اتفاق المتفقين على معنى ما كلا اتفاق ، لأن المعنى المتفق عليه باعتبار ذهن كل واحد منهم مختلف ، فيكون المعنى الذي عند كل واحد منهم غير المعنى الذي عند الآخرين ، ولو كانت تختلف بحسب الأزمنة لكل حكم الإنسان الواحد على المعنى الواحد يختلف بتعدد استحضاره له ، لأن المتعيّن منه في ذهنه في هذا الزمان غير المتعين في الزمان الآخر ، ولكانت العلوم الكلية في اختلاف وتبدل ، وذلك كله مستحيل . وإنما أتت هذه الحالة من وضع الكلي الذهني جزئيا باعتبار زمان ما أو ذهن ما . فإذا أخذنا الأمر في ذلك على ما أصّلناه انحلت هذه الشكوك وارتفعت الحالات بحول اللّه تعالى . والذي للعلم الجنسي من معنى الجزئية ، إن صح إطلاقها عليه من هذا الوجه هو تعينه من بين سائر الحقائق الذهنية ، فيكون إطلاق الجزئية عليه وعلى العلم الشخصي بالاشتراك المحض ، نعم قد يطلق عليه جزئي بالنظر إلى ما هو أعم منه كما يقال في الإنسان أنه جزئي بالنظر إلى الحيوان الذي هو جنسه ، فيقال مثلا إن أسامة جزئي بالنظر إلى الحيوان المفترس الذي هو جنسه ، كما أن الحيوان المفترس جزئي بالنسبة إلى الحيوان البهيمي ، أعني غير الناطق ، وذلك أن الجزء قد يطلق ويراد به كل مندرج تحت كلي سواء كان متشخصا كزيد ، أو كان كليا كإنسان . وسمّي الأول الجزئي الحقيقي والثاني الجزئي الإضافي لأن جزئيته بالإضافة إلى ما فوقه وهو أعم من الحقيقي ، لأن كل حقيقي مندرج تحت كلي فهو إضافي وليس كل إضافي حقيقيا ، فإن منه ما يكون كليا فعلى هذا يقال في العلم الجنسي إنه جزئي بالمعنى الثاني الذي هو إضافي ، وأما بالمعنى الأول فلا .