محمد المختار ولد أباه
283
تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب
وابن أبي الربيع ، انتقدوه انتقادا عنيفا ، ورموه بمخالفة إجماع النحاة في كثير من مواقفه . وسوف نقدم نماذج من هذا الانتقاد من خلال ما ذكره ابن أبي الربيع في كتاب البسيط على جمل الزجاجي . ومن أسباب هذه الحملة ، أن ابن الطراوة كان حريصا على حرية رأيه ، وعلى معقولية القواعد النحوية . فقد كان قواما على كتاب سيبويه كما رأينا آنفا ، ولكنه مع ذلك لا يدعى العصمة لإمام النحاة ، وقال : إنه لا تثريب عليه فيما يلم به من الخلاف على سيبويه ، رحمه اللّه ، في اليسير من نظره ولا في شيء من نقله « 1 » . وقال : إنه قد يصيبه من الوهم الذي لا انفكاك للإنسان منه ، ولا محيد لأحد عنه ، غير أن هذا ليس هو الباعث الحقيقي على معارضته من طرف المجموعة المذكورة . ذلك أنه تجرأ على ركنين آخرين من أركان النحو ، ألا وهما أبو علي الفارسي وابن جني . في مصنفه الموسوم « بالإفصاح ببعض ما جاء من الخطأ في الإيضاح » . عندما أورد أبو الحسن علي بن إبراهيم التبريزي « 2 » كتب الفارسي وابن جني إلى الأندلس حملها محمد بن هشام المصحفي ، وأخذها عنه ابن الباذش وأقبل الناس عليها ، لكن ابن الطراوة انتقدها نقدا شديدا ، لأنها في نظره لا تعدو أن تكون أسماء خالية من المضمون وأن الأجدر صرف همم الناشئين إلى كتاب سيبويه ، وجمل الزجاجي والكافي لابن النحاس . وخص الإيضاح بالنقد ، لما رأى من تهافت في تفضيله على غيره من المختصرات المروية ، وتظاهر المصحفيين لتقديمه على التواليف المسندة ؛ فسفه رأي من عدل عنها وعن القوانين المفيدة كالجمل والكافي وكتاب سيبويه الشافي وفرغ للإيضاح والشيرازيات والخصائص والحلبيات ، وهي عنده « ترجمة تروق لا جسم » فيها . وهذا الموقف أثار حفيظة مجموعة من النحويين المتعصبين للفارسي وابن جني .
--> ( 1 ) محمد إبراهيم النبأ السهيلي ومذهبه النحوي ص 66 نقلا عن الإيضاح . ( 2 ) محمد إبراهيم البنا أبو الحسين بن الطراوة ص 16 نقلا عن فهرست ابن خير .